ي صباح 14 أغسطس 2013، دخلت قوات الجيش والشرطة إلى محيط اعتصام النهضة بعد 47 يومًا من وجود المعتصمين في الميدان، لتبدأ ساعات طويلة من الرصاص والحصار والاعتقالات، وتنتهي واحدة من أكثر الأيام قسوة في تاريخ مصر الحديث، بحسب روايات المشاركين في الاعتصام وشهاداتهم عن تفاصيل ما جرى.
كان اعتصام النهضة قد استمر أسابيع طويلة، في منطقة تحيط بها حديقة الحيوان وحدائق الأورمان ومباني جامعة القاهرة، بينما كانت الجامعة في عطلتها الصيفية، ما جعل المنطقة في كثير من ساعات اليوم أقل كثافة من حيث السكان والحركة المعتادة.
وخلال تلك الأسابيع، عاش المعتصمون في ظروف شديدة الصعوبة، بين حرارة الصيف، وأيام الصيام، والأعداد الكبيرة من الرجال والنساء والأطفال الذين احتاجوا إلى الطعام والشراب والخيام وأماكن الوضوء ودورات المياه. ومع ذلك، يصف المشاركون تلك الفترة بأنها كانت قائمة على التنظيم والتكافل، حيث كانت الوجبات توزع، والناس يجتمعون للصلاة، ويؤدون التراويح، وتستمر الفعاليات داخل الميدان.
ومع مرور الأيام، وقعت مناوشات ومحاولات ضغط على المعتصمين، إلا أن الاعتصام استمر حتى جاء صباح 14 أغسطس، حين بدأت مؤشرات غير معتادة تظهر في محيط المنطقة، ثم تحولت سريعًا إلى مشهد مختلف تمامًا.
لم يكن الأمر مجرد انتشار أمني محدود أو محاولة لتطويق المكان، بل بدأت الطرق في الإغلاق، وانتشرت نقاط التفتيش، وظهرت سيارات للبث التلفزيوني أعلى كوبري الجامعة المواجه لأحد مداخل الاعتصام، بينما لم تكن الآليات العسكرية قد ظهرت بعد بصورة واضحة.
وبحسب روايات من كانوا في الميدان، تواصلت بعض السيدات اللاتي كن يغادرن الاعتصام مع الموجودين داخلهن، وأبلغنهم بأن الشوارع المحيطة شبه مغلقة، وأن السيارات تتحرك في مسارات محددة، وأن هناك تفتيشًا أمنيًا متزايدًا.
وبعد ذلك بقليل، وصلت أنباء من رابعة العدوية بأن عملية الفض بدأت هناك، لتتحول المخاوف في النهضة إلى يقين بأن الدور قد وصل إلى الميدان.
من شروق الشمس إلى الاقتحام.. اللحظات التي سبقت تحول النهضة إلى ساحة نار
كانت لدى القائمين على اعتصام النهضة، بحسب الشهادات، خطة للتعامل مع أي محاولة فض واسعة، بهدف تقليل الخسائر البشرية قدر الإمكان. اعتمدت هذه الخطة على فتح أبواب كلية الهندسة بجامعة القاهرة ودعوة المعتصمين إلى الدخول إليها، باعتبارها أقرب مكان يمكن الاحتماء به بعيدًا عن المواجهة المباشرة.
وبمجرد أن تأكد بدء الهجوم، انطلقت النداءات داخل الاعتصام تطالب الناس بسرعة التوجه إلى مباني الكلية.
نجح عدد كبير من المعتصمين في الدخول، لكن كثيرين لم يتمكنوا من التحرك بالسرعة نفسها، خصوصًا كبار السن والمرضى والنساء والأطفال، إلى جانب من كانوا داخل الخيام أو في مناطق بعيدة عن مداخل الجامعة.
وتقول الشهادات إن الشباب حاولوا مساعدة غير القادرين على التحرك، لكن سرعة الاقتحام وتقدم القوات جعلت الوقت ضيقًا، بينما بدأت المدرعات في دخول منطقة الاعتصام.
وخلال دقائق، تغيرت صورة المكان بالكامل.
الخيام التي كانت تستخدم للنوم والحماية من الشمس أصبحت في قلب حركة الآليات، والمستشفى الميداني الذي كان يستقبل المرضى والمصابين أصبح جزءًا من المشهد المتفجر. وبحسب الروايات، تعرض المستشفى للحريق، بينما اعتقل عدد من الأطباء، وتعرضت خيام للدهس أثناء تقدم المدرعات.
وتؤكد الشهادات أن بعض من بقوا خارج مباني الكلية لم يتمكنوا من النجاة، وسقط منهم قتلى في محيط الاعتصام.
في تلك اللحظات، لم يعد الهدف لدى الموجودين هو البقاء في الميدان أو الدفاع عن الاعتصام، بل البحث عن مخرج من دائرة النار.
المشهد الذي كان قبل ساعات فقط ساحة تضم خيامًا ومطابخ ومصليات وممرات بين المعتصمين تحول إلى مساحة للرصاص والفوضى والصراخ، بينما حاول كل من استطاع الوصول إلى الجامعة أو الاحتماء بأي مكان.
داخل كلية الهندسة.. من محاولة الاحتماء إلى ساعات من الحصار والرصاص
لم يؤد دخول المعتصمين إلى كلية الهندسة إلى إنهاء الخطر.
وبحسب روايات المشاركين، بدأت القوات في تطويق مباني الكلية وإطلاق الرصاص الحي باتجاه الموجودين داخلها، لتتحول الجامعة من ملاذ مؤقت إلى ساحة حصار استمرت لساعات.
وتقول الشهادات إن إطلاق النار تطور لاحقًا، وإن قذائف أصابت أجزاء من مبنى قسم العمارة بكلية الهندسة، ما أدى إلى سقوط قتلى ومصابين داخل المبنى.
كان المعتصمون داخل الكلية يعتقدون أن وجودهم داخل الحرم الجامعي قد يوفر لهم قدرًا من الحماية، أو على الأقل يمنع امتداد المواجهة إلى داخل مؤسسة تعليمية، لكن هذا الاعتقاد سرعان ما سقط أمام استمرار إطلاق النار والحصار.
في الداخل، لم تكن هناك وسائل مواجهة حقيقية.
كان الموجودون يحاولون حماية أنفسهم بما توفر، بينما كانت القوات في الخارج تملك الرصاص والمدرعات والأسلحة الثقيلة. وهو ما جعل المشهد، وفق وصف المشاركين، مواجهة غير متكافئة بين مدنيين محاصرين وقوة مسلحة تطوق المكان.
وتكررت خلال الساعات الطويلة أسئلة لم يجد أصحابها إجابات: كيف وصل الصراع السياسي إلى هذه الدرجة من العنف؟ وكيف تحولت العلاقة بين مؤسسات الدولة ومواطنين من أبناء البلد نفسه إلى مواجهة بهذا الشكل؟
وتقول الروايات إن عشرات الأشخاص سقطوا داخل مباني الكلية خلال الحصار، بينما استمرت محاولات إسعاف المصابين في ظروف شديدة الصعوبة.
ولم تكن الخسائر البشرية وحدها هي التي حفرت ذلك اليوم في الذاكرة، بل أيضًا الإحساس بأن أي مكان يمكن أن يتحول إلى ساحة خطر، سواء كان الميدان أو المستشفى أو الجامعة.
وظل المعتصمون داخل الكلية لساعات طويلة حتى قرب العاشرة مساءً، بينما استمر الحصار في الخارج.
وفي نهاية اليوم، جرت اتصالات انتهت بمطالبة الموجودين بإنهاء الاعتصام والخروج، مع تقديم وعود بتأمين خروجهم.
من الخروج إلى الاعتقال.. 14 أغسطس جرح لم يُغلق
مع اقتراب نهاية اليوم، بدأت عملية خروج المعتصمين من مباني كلية الهندسة.
وبحسب روايات من كانوا في المكان، طُلب منهم مغادرة الكلية، كما وفرت حافلات لنقل بعض الموجودين، لكن عددًا من المعتصمين نصح الآخرين بعدم ركوبها، والخروج بدلًا من ذلك سيرًا على الأقدام في مجموعات.
وتؤكد هذه الروايات أن من اختاروا السير تمكن كثير منهم من مغادرة المنطقة، بينما تعرض عدد ممن استقلوا الحافلات للاعتقال.
وبذلك انتهت ساعات طويلة بدأت مع شروق الشمس بالتحركات الأمنية وإغلاق الطرق، ومرت باقتحام الميدان وإحراق المستشفى والدهس بالمدرعات، ثم حصار كلية الهندسة، قبل أن تنتهي بخروج من بقي من المعتصمين تحت ضغط السلاح والاعتقال.
ورغم أن اعتصام النهضة كان أقل عددًا من رابعة العدوية، وأقل من حيث حجم الخسائر، فإنه ظل جزءًا أساسيًا من ذاكرة 14 أغسطس، اليوم الذي أصبح لدى قطاع واسع من المصريين رمزًا للقمع والدم والانقسام السياسي.
وبالنسبة لمن عاشوا تلك الساعات، لم يكن ما حدث مجرد فض لاعتصام، بل لحظة فاصلة غيرت وجه البلاد، وفتحت الباب أمام سنوات من الاعتقالات والملاحقات والإقصاء، بينما تفرقت أسر كثيرة بين قتيل وسجين ومطارد ومبعد.
ومع مرور السنوات، ظل السؤال عن العدالة والمحاسبة حاضرًا.
فالضحايا لم يعودوا مجرد أرقام في تقارير أو أسماء في قوائم، بل أسر فقدت أبناءها، وأشخاص خرجوا من ذلك اليوم بذكريات لا يمكن محوها، ومعتقلون أمضوا سنوات خلف القضبان.
ويرى أصحاب هذه الروايات أن 14 أغسطس لم ينتهِ بانتهاء ذلك اليوم، بل امتدت آثاره إلى ما بعده، بعدما أصبح العنف أداة متكررة في التعامل مع المعارضين، وتحولت حالة القهر إلى واقع يطال أطرافًا أوسع من الذين كانوا في الميادين.
كما ظل الشعور حاضرًا بأن ما جرى لم يكن موجهًا فقط إلى المعتصمين، بل كان بداية مرحلة دفعت ثمنها قطاعات واسعة من المصريين، سواء ممن أيدوا ما حدث أو عارضوه أو اكتفوا بالمشاهدة.
ولهذا، بقي يوم 14 أغسطس في الذاكرة باعتباره يومًا أسود في تاريخ مصر، ويصفه كثيرون ممن عاشوا أحداثه بأنه "يوم النكبة المصرية"، يوم امتهنت فيه الإنسانية وسقط فيه قتلى وجرحى ومعتقلون، بينما ظل ملف المحاسبة مفتوحًا بلا إجابة حاسمة.
وبعد كل هذه السنوات، لم تختفِ ذكرى رابعة والنهضة، ولم تتحول إلى مجرد حادثة قديمة في أرشيف السياسة المصرية.
بالنسبة لأسر الضحايا والناجين ومن شهدوا الأحداث، ما زال 14 أغسطس حاضرًا بكل تفاصيله: شوارع أغلقت، مدرعات تقدمت، خيام سُحقت، مستشفى احترق، جامعة حوصرت، ورصاص ظل يطارد من يبحث عن طريق للنجاة.
ومهما مضى الزمن، تبقى تلك الساعات واحدة من أكثر اللحظات التي قسمت الذاكرة المصرية، وواحدة من القضايا التي لن يغلقها مرور السنوات وحده.
فالعدالة لا تسقط بالتقادم في ذاكرة الضحايا، والدم الذي سقط في ذلك اليوم لا يتحول إلى مجرد رقم، و14 أغسطس سيظل حاضرًا ما دامت الحقيقة والمحاسبة والحقوق الكاملة لأصحابها لم تصل بعد إلى نهايتها.

