أثارت هيئة الدواء المصرية جدلا واسعا بعدما بدأت ربط 1300 صنف بمنظومة التتبع الدوائي ومهدت لحذف الأسعار المطبوعة على العبوات، وسط انتقادات تعتبر الإجراء انتقاصا من حق المريض في معرفة السعر الجبري قبل الشراء.

 

وأعلنت تطورات سوق الدواء في مصر بدء إجراءات تنفيذية خلال أغسطس 2026 للشركات المنضمة إلى منظومة التتبع، بعد مرحلة أولى شملت نحو 1300 صنف مستورد، ما فتح بابا لمخاوف المرضى والصيادلة من غموض التسعير.

 

وفي المقابل، يكشف الجدل فجوة أوسع بين خطاب رسمي يرفع شعارات الرقمنة وضبط السوق، وواقع يواجه فيه المواطن زيادات متلاحقة ونقصا في بعض المستحضرات، بينما يصبح أبسط حقوقه، وهو معرفة ثمن الدواء، موضع تفاوض.

 

سعر غائب وقلق متصاعد

 

وبداية، اعتاد المصريون لعقود رؤية السعر الجبري مطبوعا على العبوة، بما يتيح للمريض مقارنة السعر بما يطلبه الصيدلي، ويمنح عملية البيع مرجعية واضحة، حتى عندما كانت القرارات الرسمية تسمح بتغيير السعر عبر ملصقات معتمدة.

 

ومن ناحية أخرى، أدى قرار 2017 الذي أبقى العبوات القديمة بأسعارها السابقة بعد تحريك أسعار آلاف الأصناف إلى ظهور الدواء نفسه بأكثر من سعر، وهو وضع أرهق الصيدليات وخلق مشاحنات يومية مع مرضى يشكون المغالاة.

 

كما أن الأزمة لم تكن محاسبية فقط، إذ اضطر أصحاب الصيدليات إلى ضخ أموال أكبر للحفاظ على المخزون نفسه، بينما تآكلت السيولة مع التعويم وارتفاع تكاليف التشغيل، ووصلت الضغوط بحسب تقديرات متداولة إلى إغلاق نحو 1500 صيدلية.

 

غير أن حذف السعر المطبوع لا يحل تلقائيا هذا التشوه، لأن نقل التسعير إلى شاشة إلكترونية أو تطبيق لا يضمن معرفة المواطن بالسعر لحظة الشراء، خصوصا لكبار السن أو من لا يملكون أدوات رقمية مناسبة.

 

وبحسب الدكتور محفوظ رمزي، رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة الصيادلة، فإن التسعير العادل يجب أن يعكس التكلفة الحقيقية للخامات والتشغيل، لا سعر الصرف وحده، مع مراجعة كل مستحضر وفق بياناته الفعلية وظروف إنتاجه.

 

ولذلك، فإن الخطر لا يكمن في الرقمنة نفسها، بل في تحويلها إلى ستار يحجب السعر عن المريض، فوجود رمز إلكتروني على العبوة لا يعوض غياب رقم واضح يستطيع المواطن رؤيته قبل دفع ثمن علاجه.

 

التتبع بين الرقابة والشفافية

 

وفي السياق نفسه، تمثل منظومة التتبع الدوائي خطوة مهمة لمراقبة رحلة المستحضر من المصنع أو الاستيراد حتى الصيدلية والمريض، عبر رمز مميز لكل عبوة يسمح بتحديد مصدرها ومسار تداولها ومنع تسلل المنتجات المغشوشة.

 

إضافة إلى ذلك، بدأت المرحلة الأولى في فبراير 2026 بالأدوية المستوردة ومستحضرات الجدول، ثم اتجهت المنظومة في أغسطس إلى المستحضرات المحلية، مع اختيار منشآت وصيدليات ومخازن أكثر جاهزية قبل التوسع الكامل على مستوى السوق.

 

ووفقا للدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية، جرى اختبار المنظومة تجريبيا داخل نحو 3000 صيدلية قبل التعميم، بهدف كشف المشكلات الفنية والتشغيلية، مع التأكيد أن التطبيق التدريجي ضروري حتى لا تتحول الرقمنة إلى أزمة جديدة.

 

وعلاوة على ذلك، يمنح التتبع الجهات الرقابية قدرة أفضل على معرفة أماكن توافر الدواء ونقصه، ورصد حركة التشغيلات، وملاحقة العبوات المقلدة أو منتهية الصلاحية، وهي فوائد يصعب الاعتراض عليها إذا اقترنت بشفافية حقيقية.

 

لكن، نجاح هذه المنظومة لا يبرر إلغاء وسيلة بسيطة ومباشرة لحماية المستهلك، لأن المريض يحتاج إلى معرفة السعر بوضوح، وليس إلى الدخول في تطبيق أو سؤال الصيدلي أو البحث في شاشة إلكترونية كل مرة.

 

ومن ثم، يمكن الجمع بين التتبع الرقمي وطباعة السعر أو وضع ملصق معتمد بجوار الرمز الإلكتروني، بما يحافظ على حق المريض ويمنع تعدد الأسعار، بدلا من تقديم الرقمنة باعتبارها مبررا لسحب السعر من العبوة.

 

معادلة جديدة تحت الاختبار

 

أما في ملف التسعير، فتتجه المناقشات إلى معادلة تعتمد على 3 عناصر رئيسية هي سعر الصرف والتضخم وسعر الفائدة، بدلا من الاكتفاء بالمقارنات المرجعية التي حكمت جزءا كبيرا من تسعير الدواء خلال السنوات السابقة.

 

وبالتالي، يعكس سعر الصرف تكلفة المواد الفعالة والخامات ومستلزمات التعبئة المستوردة، بينما يقيس التضخم ضغوط الكهرباء والنقل والأجور والتشغيل، ويضيف سعر الفائدة كلفة التمويل التي تتحملها الشركات عند الاقتراض لتوفير احتياجات الإنتاج.

 

وبناء على ذلك، تبدو المعادلة أكثر واقعية من نظام يتجاهل تغيرات التكلفة المحلية، لكنها قد تتحول إلى ماكينة لرفع الأسعار إذا لم تكن معلنة وقابلة للمراجعة، وإذا غابت حدود واضحة لحماية الأدوية الأساسية والمزمنة.

 

ومن جهته، حذر محمود فؤاد، مدير جمعية الحق في الدواء، من موجات ارتفاع كبيرة في أسعار المستحضرات، معتبرا أن تحميل المرضى زيادات واسعة يهدد الحق في العلاج، خاصة مع ارتفاع تكاليف الخدمات الصحية الأخرى.

 

كذلك، فإن أخطر أثر للزيادة يقع على مرضى الأمراض المزمنة الذين لا يملكون ترف تأجيل العلاج، لأن ارتفاع فاتورة الدواء قد يدفع بعض الأسر إلى تقليل الجرعات أو تأخير الشراء أو الاعتماد على بدائل غير مناسبة.

 

وفوق ذلك، يؤدي ارتفاع الأسعار إلى زيادة الضغط على المستشفيات الحكومية والعلاج على نفقة الدولة، حيث ينتقل مزيد من المرضى من السوق الخاصة إلى الخدمات المدعومة، فتتحول أزمة التسعير إلى عبء إضافي على النظام الصحي.

 

وفي الوقت نفسه، تحتاج الصناعة إلى أسعار تمنع توقف خطوط الإنتاج أو اختفاء المستحضرات الخاسرة، لأن تثبيت سعر غير واقعي قد يخلق نقصا أخطر من الزيادة نفسها، ويترك المريض أمام السوق السوداء أو البدائل الأعلى سعرا.

 

ولهذا، تصبح المسؤولية الحكومية مضاعفة، فهي مطالبة بحماية استدامة الصناعة دون ترك التسعير للشركات، وبحماية المريض دون فرض أسعار تؤدي إلى الاختفاء، وبإعلان المعادلة والقرارات والبيانات بوضوح قبل تطبيق أي تغيير.

 

وعند هذه النقطة، يزيد الغموض الرسمي الأزمة، إذ إن البيان الذي طالب بالاعتماد على ما تنشره الهيئة لم يقدم نفيا صريحا أو تأكيدا واضحا لحذف الأسعار، فترك السوق أمام روايات متضاربة بدلا من حسم المسألة.

 

وأخيرا، تبدو العودة إلى ملصق سعري رسمي محدث بجوار الرمز الإلكتروني حلا عمليا، لأنه يسمح بتحديث الأسعار دون إهدار العبوات، ويمنح المريض رقما واضحا، ويجعل التتبع وسيلة للرقابة لا بديلا عن شفافية السعر.

 

وخلاصة الأمر، فإن إصلاح سوق الدواء لا يبدأ بإخفاء السعر عن العبوة، بل بإلغاء القواعد المتضاربة وتحديد معادلة معلنة ومراجعتها دوريا، مع دعم المرضى الأكثر احتياجا وضمان توافر الدواء قبل تحويل تكلفة الأزمة الاقتصادية إليهم.

 

وفي النهاية، يظل الدواء حقا صحيا لا سلعة عادية، وأي تحديث رقمي يفقد المواطن القدرة على معرفة سعر علاجه مسبقا يظل ناقصا، مهما كانت كفاءته التقنية، لأن الشفافية ليست تفصيلا إداريا بل جزء من حماية المريض.