فند الدكتور عصام حجي، الباحث بوكالة الفضاء والعلوم الأمريكية "ناسا"، تصريحات الدكتور هاني سويلم وزير الري والموارد المائية التي قلل فيها من أهمية الدراسات والأبحاث التي تحذر من غرق الإسكندرية والدلتا في مصر.
وقال سويلم في تصريحات إلى الصحفيين أمس، إن ما يتردد بشأن غرق مدينة الإسكندرية هو "حديث إعلامي أكثر منه علميًا"، مؤكدًا أن ملف حماية السواحل أكثر شمولًا من الحديث عن مدينة بعينها، وأن الدولة تعتمد في قراراتها على الدراسات العلمية وليس على الطروحات الإعلامية أو المواقف السياسية.
وعلق حجي عبر حسابه في موقع "فيسبوك"، متسائلاً: "هل كان غرق المنوفية العام الماضي أيضًا "ضجيجًا ومزايدات"... أم كان هناك تحذيرًا علميًا سبق الحدث بثلاث سنوات ولم تكن له آذان صاغية؟".
وأعرب عن تأييده لتصريحات وزير الموارد المائية والري، التي أكد فيها أن الوزارة تعتمد على الأبحاث العلمية المحكمة المنشورة في المجلات الدولية، وأنها لا تلتفت إلى "الضجيج والمزايدات" أو "الكلام الكثير والعلم القليل".
مخاطر ردم الترع في الدلتا
وطرح حجي في الوقت ذاته مثالاً وسؤالاً من الدراسات التي قال إنه تم إهمالها وكانت النتيجة كارثية، قائلاً: "في نوفمبر 2022 نشر فريقنا البحثي دراسة في أحد أهم المجلات الدولية المتخصصة في المجال، حذرنا فيها من أن ردم أعداد كبيرة من القنوات المائية التاريخية في دلتا النيل (أي ردم الترع)، نتيجة تعديات التوسع العمراني وإنشاء الطرق، أدى إلى فقدان أجزاء من الدلتا لقدرتها الطبيعية على تصريف المياه في الدلتا".
وأضاف: "ولم يقتصر البحث على رصد التغيرات، بل خلص إلى أن خطط إدارة وتصريف المياه التي بُنيت على شبكة القنوات القديمة تحتاج إلى مراجعة وتحديث بما يتوافق مع التغيرات التي طرأت على أرض الواقع".
وتابع: "وبعد أقل من ثلاث سنوات... شهدت مصر في أكتوبر 2025 عمليات تصريف مائي من السد العالي، بالتزامن مع تصريف سد النهضة كميات كبيرة من المياه. ومع اعتماد تشغيل منظومة التصريف دون الأخذ في الاعتبار التغيرات في شبكة القنوات التي أشار لها بحثنا والاعتماد على الخطط وخرائط قد لا تعكس بشكل كامل الواقع، مما أدى إلى تعرض مناطق واسعة في الدلتا مثل المنوفية والبحيرة للغمر".
وشدد حجي على أن الآلية التي حذر منها البحث ظهرت بوضوح على أرض الواقع، "حيث بمجرد المقارنة بين نتائج دراستنا المنشورة عام 2022 وخريطة المناطق التي تعرضت للغمر في أكتوبر 2025 تكشف عن تطابق مكاني واضح. فالمناطق التي حددها البحث باعتبارها الأكثر فقدانًا لشبكتها التاريخية من القنوات المائية نتيجة الردم والتعدي العمراني، هي نفسها تقريبًا المناطق التي شهدت أكبر حالات الغمر، كما يوضح الشكل المرفق".
مع ذلك، أوضح حجي أن "هذا التطابق لا يعني بالضرورة أن البحث تنبأ بالحادث نفسه أو يثبت بمفرده علاقة سببية، لكنه يمثل مؤشرًا علميًا قويًا على أن الآلية التي حذر منها البحث كانت حاضرة على أرض الواقع، وأن فقدان شبكة القنوات التاريخية ربما أسهم في تقليل القدرة الهيدروليكية للدلتا على استيعاب وتمرير التصريفات المائية".
تساؤلات حجي
وعلى ضوء ذلك، طرح حجي سؤالًا علميًا مهمًا:
هل ما زالت خطط تشغيل وإدارة المياه تعتمد على افتراضات وخرائط لشبكة قنوات لم تعد موجودة بالكامل على أرض الواقع؟
وهل أصبحت البنية الحالية للدلتا تمتلك نفس القدرة على التصريف التي كانت تمتلكها قبل ردم هذه القنوات؟
وإذا كانت الوزارة تؤكد أن قراراتها تعتمد على الأبحاث العلمية المحكمة، فإن سؤالًا آخر يفرض نفسه:
إذا كان هذا التطابق بين نتائج الدراسة المنشورة في 2022 والمناطق التي غرقت قد تحقق بالفعل، فلماذا لم يُؤخذ هذا التحذير العلمي في الاعتبار عند مراجعة خطط إدارة وتشغيل المياه؟
وهل وصلت نتائج هذه الدراسة العلمية المنشورة عام 2022 إلى دوائر صنع القرار؟ وإذا وصلت، فلماذا لم تُناقش ولم تُؤخذ في الاعتبار عند تحديث خطط إدارة المياه في دلتا النيل؟
وإذا كانت التحذيرات العلمية المنشورة كان من الممكن أن تسهم في الحد من المخاطر، فمن يتحمل مسؤولية عدم الاستفادة منها؟ ومن يتحمل الخسائر التي تكبدها المواطنون إذا ثبت أن خطط إدارة المياه لم تُحدَّث بما يتوافق مع الواقع الحالي لشبكة القنوات؟
واستطرد حجي، قائلاً: "الإجابة هي أن اعتبار هذه الابحاث التي تحذر من المخاطر وما يصاحبها من تغطيات صحفية كضجيج هو سبب هذه الأزمة. وسبب عدم وصول هذا الابحاث لصناع القرار لحماية الناس".
واعتبر أن الهدف من طرح هذه الأسئلة ليس توجيه اللوم، وإنما دعوة لتغيير ومراجعة مفاهيم خاطئة وتغليب المصلحة العامة.
ودعا الوزير لقراءة بحثه الأخير المنشور في مجلة "نيتشر" العريقة الخاصة بدراسات الاستدامة والذي يناقش تحديات قضايا المياه في افريقيا. https://rdcu.be/fuQvJ

