تدرس وزارة التربية والتعليم في مصر اشتراط حصول طلاب البكالوريا على 50% من درجات التقييمات المقررة للسماح بدخول الامتحانات النهائية، بالتزامن مع وضع ضوابط الحضور والاختبارات الأسبوعية والشهرية، ما أثار مخاوف آلاف الأسر من الحرمان.

 

ويضع التوجه الجديد الأسر أمام منظومة تعليمية تعد بإنهاء رهبة الفرصة الواحدة، لكنها تفرض في المقابل قيودا متواصلة على الحضور والتقييم، بما ينقل القلق من امتحان نهائي واحد إلى عام دراسي كامل تتحكم تفاصيله في مستقبل الطالب.

 

 

الحضور بوابة الامتحان

 

وبداية تعمل وزارة التربية والتعليم على الانتهاء من الضوابط التنفيذية التي تنظم تطبيق البكالوريا المصرية، وفي مقدمتها نسبة الحضور الإلزامية وآليات احتساب التقييمات الأسبوعية والشهرية والشروط التي يتعين على الطالب استيفاؤها قبل السماح له بالامتحان.

 

وفي هذا السياق تدرس الوزارة مقترحا يقضي بحصول الطالب على 50% من الدرجات المخصصة للتقييمات المطلوبة لدخول الامتحان، بما يجعل المشاركة في أعمال السنة شرطا للعبور إلى الاختبارات النهائية رغم عدم إضافتها إلى المجموع الكلي.

 

ومن هنا تبرز المفارقة التي تشغل أولياء الأمور، إذ لا يحصل الطالب على ميزة في مجموعه النهائي مقابل درجات أعمال السنة، بينما قد يؤدي عدم تحقيق الحد الأدنى المطلوب فيها إلى منعه من أداء الامتحان الذي يحدد درجاته الفعلية.

 

كما تشمل منظومة المتابعة واجبات منزلية واختبارات أسبوعية وامتحانات شهرية إلى جانب الحضور اليومي والسلوك، وهي عناصر تعيد المدرسة إلى مركز العملية التعليمية بعدما تراجعت خلال سنوات أمام الاعتماد الواسع على الدروس الخصوصية والمراكز التعليمية.

 

وفي المقابل أثارت الضوابط المرتقبة نقاشا بين الأسر التي حجز بعضها بالفعل دروسا خلال ساعات اليوم الدراسي، قبل اتضاح أن الغياب أو التخلف عن التقييمات قد يؤثر في أهلية الطالب لدخول امتحانات نهاية العام.

 

ومن جانبه يؤكد الخبير التربوي حسن شحاتة أستاذ المناهج بجامعة عين شمس أن انتظام الطالب داخل المدرسة يمثل جزءا أساسيا من العملية التعليمية، وأن التقييم المستمر يمكن أن يقيس تطور التعلم بصورة أوسع من الاعتماد على امتحان واحد.

 

وبالتالي فإن إعادة الاعتبار للمدرسة قد تكون خطوة ضرورية، لكن نجاحها يظل مرتبطا بجودة التدريس داخل الفصول وقدرة المدارس على تقديم خدمة تعليمية تجعل الحضور ذا قيمة حقيقية، بدلا من تحوله إلى إجراء إداري هدفه استيفاء النسبة المطلوبة.

 

ومن ثم يصبح السؤال المطروح أمام الوزارة هو كيفية ضمان عدالة تطبيق الشرط بين مدارس تختلف بشدة في كثافة الفصول وتوافر المعلمين والإمكانات، لأن إلزام الطلاب بالحضور يفترض أولا وجود بيئة تعليمية قادرة على الاستفادة من وجودهم.

 

 

قلق التقييم المستمر

 

وعلى صعيد آخر تؤكد الوزارة أن البكالوريا تستهدف تجاوز نموذج الامتحان المصيري الواحد، عبر منح الطالب أكثر من فرصة لخوض الاختبارات النهائية وتحسين درجاته، بما يسمح بتجاوز الظروف الطارئة التي كانت قادرة سابقا على تغيير مسار الطالب بالكامل.

 

غير أن نقل الضغط من امتحان واحد إلى سلسلة طويلة من الواجبات والتقييمات والاختبارات الشهرية قد يصنع شكلا مختلفا من التوتر، خصوصا عندما تصبح المشاركة المستمرة شرطا لدخول الامتحان حتى إن لم تدخل درجاتها ضمن المجموع النهائي.

 

إضافة إلى ذلك يحتاج تطبيق التقييم المستمر إلى قواعد موحدة تمنع تفاوت التقدير بين المدارس والمعلمين، خاصة إذا ترتب على النتيجة قرار بالغ الخطورة مثل حرمان طالب من دخول الاختبار النهائي وليس مجرد إضافة درجات محدودة إلى مجموعه.

 

وفي هذا الإطار يرى الخبير التربوي رضا حجازي وزير التربية والتعليم السابق أن فلسفة التقييم ينبغي أن تركز على قياس نواتج التعلم الحقيقية وليس مجرد استرجاع المعلومات، مع تنويع أدوات القياس بما يتناسب مع قدرات الطلاب المختلفة.

 

وبناء على ذلك فإن الاختبارات الأسبوعية والشهرية يمكن أن تصبح أداة لتحسين التعلم إذا استخدمت لتحديد نقاط الضعف، لكنها قد تتحول إلى عبء إضافي عندما ترتبط بعقوبة الحرمان دون وجود آليات واضحة للتظلم والتعويض عن الظروف الاستثنائية.

 

وفي الوقت ذاته تنتظر الأسر معرفة كيفية التعامل مع الطالب الذي يتغيب بسبب المرض أو ظرف قهري، وما إذا كانت الوزارة ستوفر تقييمات بديلة، لأن غياب هذه الضمانات قد يجعل شرط 50% مصدر نزاعات مستمرة داخل المدارس.

 

وعلاوة على ذلك يتطلب النظام آلية إلكترونية أو ورقية واضحة يستطيع ولي الأمر من خلالها متابعة نسبة حضور ابنه ودرجات تقييماته بصورة منتظمة، حتى لا يفاجأ الطالب قرب نهاية العام بأنه فقد حقه في دخول الامتحان.

 

وعليه تبدو اللوائح التنفيذية المنتظرة أكثر أهمية من العناوين العامة للنظام، لأنها ستحدد فعليا متى يحرم الطالب وكيف يحتسب الغياب وما التقييمات المعتمدة ومن يراجع النتائج وما الإجراءات المتاحة أمام الأسرة للاعتراض على أي خطأ.

 

 

مسارات وفرص جديدة

 

وفي جانب آخر يقدم نظام البكالوريا أربعة مسارات دراسية تسمح للطلاب باختيار تخصصات مرتبطة بميولهم وقدراتهم، مع إدخال مواد مثل الاقتصاد وإدارة الأعمال والمحاسبة والبرمجة والذكاء الاصطناعي بهدف ربط الدراسة بصورة أكبر باحتياجات سوق العمل.

 

كذلك يعتمد النظام على دراسة 7 مواد رئيسية موزعة على عامين، مع زيادة الساعات المخصصة للمواد الأساسية، في محاولة لتقليل التشتيت ومنح الطالب وقتا أكبر لفهم المحتوى بدلا من التعامل مع عدد واسع من المقررات.

 

ومن ناحية أخرى يمثل تعدد فرص الامتحان أحد أبرز الاختلافات عن الثانوية العامة التقليدية، إذ يستطيع الطالب إعادة الاختبارات لتحسين درجاته، وهي نقطة تسعى الوزارة من خلالها إلى تقليل الضغط المرتبط بفكرة أن مستقبله يتوقف على محاولة واحدة.

 

وفي هذا السياق يرى الخبير التربوي كمال مغيث أن إصلاح الثانوية العامة لا يمكن اختزاله في تغيير شكل الامتحانات أو أسماء الشهادات، وإنما يرتبط بإصلاح المدرسة والمعلم والمناهج وطريقة التقييم والبيئة التعليمية باعتبارها منظومة مترابطة.

 

وفوق ذلك فإن استحداث مواد ترتبط بالاقتصاد والبرمجة والذكاء الاصطناعي لن يحقق أهدافه تلقائيا دون توفير معلمين مؤهلين وتجهيزات مناسبة، خصوصا أن تدريس تخصصات حديثة داخل مدارس تعاني نقص الإمكانات قد يوسع الفجوة بين المدارس المختلفة.

 

وفي السياق ذاته تقول الوزارة إن المناهج الجديدة تستفيد من تجارب دولية من بينها الخبرة اليابانية في تدريس العلوم، بهدف الانتقال من الحفظ والتلقين إلى التطبيق والتفكير النقدي وربط المناهج بنواتج تعلم قابلة للقياس.

 

أما بشأن مستقبل الطلاب الجامعي فقد نفت الوزارة أن تؤدي البكالوريا إلى حصر خريجيها في الجامعات الخاصة، مؤكدة أن الشهادة وطنية وأن التنسيق مع وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات يضمن خضوعها لقواعد القبول بالجامعات الحكومية.

 

ولزيادة الطمأنينة تحتاج الوزارة إلى إعلان القواعد النهائية مبكرا وبصياغة لا تحتمل التأويل، لأن استمرار تداول مقترحات ونسب غير محسومة بينما ترتب الأسر مواعيد الدراسة والدروس يزيد الارتباك ويضع الطلاب أمام قواعد قد تتغير خلال الاستعداد للعام.

 

وفي المحصلة يحمل نظام البكالوريا فرصا لتقليل رهبة الثانوية العامة وتنويع المسارات وتحسين فرص الامتحان، لكن ربط دخول الاختبار النهائي بنسبة 50% من التقييمات سيظل موضع قلق حتى تحدد الوزارة ضمانات التطبيق والتظلم والاستثناءات بوضوح.

 

وأخيرا لن يكون نجاح البكالوريا مرهونا باسم الشهادة أو تعدد فرص الامتحان بقدر ارتباطه بمدرسة قادرة على التعليم وتقييم عادل وشفاف، حتى لا يتحول وعد التخلص من بعبع الثانوية العامة إلى مصدر جديد لقلق الأسر المصرية.