بحث حسن عبد الله محافظ البنك المركزي المصري وعبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة بمقر البنك اليوم  تطوير مبادرة منحة علماء المستقبل والاستعداد للعام الجامعي 2026-2027 بما يمهد لقبول دفعة جديدة من الطلاب المتفوقين المستحقين اجتماعيًا ضمن المرحلة الثانية من المبادرة.

 

وربط الاجتماع توسيع المنحة بسياسة حكومية تعتمد بصورة متزايدة على الجامعات الأهلية والتمويل المصرفي والمساهمات المجتمعية لتغطية فرص تعليمية لا تستطيع أسر كثيرة تحمل تكلفتها بينما يظل السؤال الأساسي متعلقًا بحجم ما تتحمله الموازنة العامة نفسها لضمان حق التعليم العالي بدل تحويل الوصول إليه إلى مسار يحتاج منحًا واستثناءات وتمويلًا موازيًا.

 

تمويل المنحة عبر القطاع المصرفي يعيد سؤال مسؤولية الدولة

 

وخلال الاجتماع استعرض الجانبان نتائج العام الجامعي 2025-2026 وما قدمته المبادرة للطلاب المتفوقين في المحافظات كما ناقشا توسيع نطاق الاستفادة داخل الجامعات الأهلية وأكد البنك المركزي أن دعم التعليم العالي والبحث العلمي يمثل محورًا للمسؤولية المجتمعية للقطاع المصرفي وأن المنحة تستهدف إعداد كوادر تلائم الاقتصاد المعرفي واحتياجات سوق العمل.

 

وفي المقابل تكشف آلية التمويل المعلنة أن الدولة لا تعتمد على بند موازني منفرد ومستقر للمبادرة إذ خصصت حساب 7070 لدى البنوك المصرية لتلقي مساهمات القطاع الخاص والمؤسسات والأفراد إلى حين استكمال ترتيبات صندوق خاص بما يجعل جزءًا من تمويل فرص التعليم مرتبطًا بحجم المساهمات المتاحة خارج الإنفاق الحكومي المباشر.

 

ومن زاوية التمويل يضع الاقتصادي إلهامي الميرغني هذا النموذج داخل سياق أوسع إذ كتب في ديسمبر 2025 أن وزن الإنفاق على التعليم من الناتج المحلي تراجع إلى نحو 1,5% في موازنة 2025-2026 بحسب حساباته رغم النصوص الدستورية الخاصة بالإنفاق على التعليم معتبرًا أن اتساع الديون يقلص الموارد المتاحة للخدمات التعليمية العامة.

 

وبحسب الميرغني فإن المشكلة لا تتوقف عند حجم الأموال الاسمي المخصص للتعليم لأن انخفاض نصيب القطاع من إجمالي المصروفات يدفع الأسر إلى تحمل نفقات أكبر ويزيد الاعتماد على التعليم المدفوع وهو ما يمنح منحة علماء المستقبل أهمية للطلاب المقبولين لكنه لا يغير وحده اتجاه التمويل العام الذي ينتقده الخبير الاقتصادي.

 

كذلك تعكس تصريحات حسن عبد الله استمرار البنك المركزي والقطاع المصرفي في لعب دور يتجاوز العمل النقدي والمصرفي إلى تمويل مبادرات تعليمية واجتماعية بينما أشاد المحافظ بدور الوزارة في إعداد خريجين لسوق العمل ومنه القطاع المصرفي وأشار إلى برنامج البكالوريوس في العلوم المصرفية الذي بدأ في عدد من كليات التجارة خلال العام الماضي.

 

الاستحقاق الاجتماعي يوسع المنح لكنه لا يعالج كلفة التعليم

 

ومن ناحية أخرى حددت المبادرة منذ إطلاقها أن الدعم يشمل المصروفات الدراسية والإقامة والإعاشة طوال سنوات الدراسة للطلاب الذين يستوفون الشروط مع استمرار الاستحقاق وفق الأداء الأكاديمي كما وجهت المنح إلى تخصصات متعددة وراعت التوزيع الجغرافي والطالبات وذوي الإعاقة ومحافظات الصعيد والمناطق الحدودية ضمن معايير معلنة للقبول والاستمرار.

 

لكن توجيه الدعم إلى فئات محددة يعني أن المنحة تظل أداة انتقائية لمعالجة كلفة التعليم لدى شريحة من المتفوقين ولا تتحول إلى ضمان عام لكل طالب قادر أكاديميًا على الدراسة ولا سيما مع توسع الجامعات الأهلية ذات المصروفات واحتفاظ الجامعات الحكومية بمسارات وبرامج مدفوعة داخل منظومة يفترض أنها تؤدي وظيفة عامة.

 

وفي هذا السياق كتب الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق في دراساته عن تمويل التعليم أن الإنفاق العائلي الرسمي وغير الرسمي يمثل جزءًا كبيرًا من الكلفة التعليمية وأن أي سياسة جادة تحتاج إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الحكومي لا الاكتفاء بنقل العبء إلى الأسر أو المجتمع وهو طرح يوضح حدود الاعتماد على المنح كحل منفرد.

 

ومن ثم فإن إعلان وزارة التعليم العالي حرصها على استدامة منحة علماء المستقبل وتوسيع الشراكات مع مؤسسات الدولة يوفر بابًا إضافيًا لطلاب قد يحرمهم الدخل من الالتحاق بجامعات مرتفعة الكلفة لكنه يترك معيار العدالة مرتبطًا بعدد المنح المتاحة وشروطها بدل معالجة الفجوة الأصلية بين القدرة المالية للأسر وفرص الوصول إلى تعليم جامعي جيد.

 

التوسع في الجامعات الأهلية يفتح ملف الجودة وتكافؤ الفرص

 

وعلى مستوى التوسع تضم منحة علماء المستقبل 32 جامعة أهلية وفق القوائم المنشورة للمبادرة وتغطي تخصصات من بينها الطب والهندسة والحاسبات والذكاء الاصطناعي والتمريض والطب البيطري والفنون والزراعة والسياحة والآثار وهو انتشار يمنح المنحة حضورًا جغرافيًا أكبر لكنه يربط نجاحها أيضًا بقدرة هذه الجامعات على توفير بنية تعليمية وتدريبية كافية.

 

وتزداد أهمية هذا الشرط مع التوسع السريع في الجامعات غير الحكومية إذ حذر الدكتور محمد أبو الغار أستاذ طب النساء والتوليد بجامعة القاهرة سابقًا في يوليو 2026 من أن عددًا كبيرًا من كليات الطب الأهلية والخاصة لا يملك بنية تدريبية ومستشفيات جامعية وأعضاء هيئة تدريس بالقدر الذي يضمن تعليمًا إكلينيكيًا مناسبًا.

 

ويخدم تحذير أبو الغار محور الجودة مباشرة لأن تمويل طالب متفوق لا يكفي إذا كانت المؤسسة التي تستقبله تفتقر إلى متطلبات التدريب أو تعتمد بصورة واسعة على انتداب أساتذة الجامعات الحكومية وهو ما يحول النقاش من عدد المنح فقط إلى نوعية التعليم الذي تشتريه هذه المنح ومدى خضوعه لرقابة أكاديمية مستقلة.

 

وفي الوقت نفسه يؤكد البنك المركزي ووزارة التعليم العالي أن المبادرة تستهدف تكافؤ الفرص وتمكين الشباب والاستثمار في العنصر البشري وهي أهداف تمنح المشروع قيمة اجتماعية واضحة للطلاب المستفيدين غير أن قياس هذه الأهداف يظل مرتبطًا بإعلان أعداد المقبولين وتوزيعهم الجغرافي ونسب استمرارهم ومعدلات تخرجهم وحجم التمويل الفعلي من حساب 7070.

 

وأمام الاستعداد لقبول الدفعة الثانية تصبح القضية الأهم هي نشر بيانات قابلة للمراجعة عن المرحلة الأولى تشمل عدد المتقدمين والمقبولين والمنسحبين وكلفة الطالب ومصادر التمويل ونسب التوزيع بين المحافظات والتخصصات لأن غياب هذه التفاصيل يجعل الحديث الرسمي عن تكافؤ الفرص غير كاف للحكم على أثر المبادرة أو مقارنة نتائجها بحجم الاحتياج الحقيقي.

 

وفي المحصلة تبقى منحة علماء المستقبل فرصة مهمة لمن يصل إليها لكنها لا تستطيع وحدها إغلاق فجوة صنعتها سنوات من ارتفاع كلفة التعليم وتوسع المسارات المدفوعة وتراجع وزن الإنفاق العام وفق تقديرات خبراء مستقلين ولذلك فإن اختبار الحكومة الحقيقي يبدأ من ضمان تعليم جامعي جيد ومتاح باعتباره حقًا أصيلًا لا فرصة استثنائية ممولة بالتبرعات.