لطالما ارتبطت الأفاعي في أذهان البشر بأنها كائنات غريزية، بطيئة الإدراك، لا تمتلك سوى ردود أفعال فطرية تساعدها على الصيد والبقاء. لكن دراسة علمية حديثة أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط البحثية، بعدما قدمت أدلة تشير إلى أن بعض أنواع الأفاعي قد تمتلك قدرة غير متوقعة على تمييز نفسها عن غيرها باستخدام الإشارات الكيميائية، وهو اكتشاف قد يغير نظرة العلماء إلى القدرات الإدراكية للزواحف.

 

ورغم أن النتائج لا تعني امتلاك الأفاعي وعيًا ذاتيًا بالمفهوم المعروف لدى الإنسان أو بعض الرئيسيات، فإنها تشير إلى امتلاكها مستوى متقدمًا من التعرف على الذات عبر حاسة مختلفة تمامًا عن الرؤية، وهي الحاسة الكيميائية التي تمثل وسيلتها الأساسية لفهم العالم المحيط بها.

 

 

الأفاعي.. عالم يُقرأ بالروائح لا بالعيون

 

يواجه الباحثون منذ سنوات تحديًا كبيرًا في دراسة سلوك الأفاعي، إذ لا يمكن إخضاعها للاختبارات التقليدية المستخدمة مع الثدييات أو الطيور، مثل الإشارات البصرية أو الاستجابة للمرايا.

 

فعلى عكس الشمبانزي أو الدلافين أو الغربان التي يمكن ملاحظة تفاعلها مع الصور أو الإشارات، تعتمد الأفاعي بصورة شبه كاملة على تحليل المركبات الكيميائية الموجودة في البيئة المحيطة.

 

وتستخدم الأفاعي ألسنتها المشقوقة لجمع الجزيئات الكيميائية من الهواء أو الأرض، ثم تنقلها إلى عضو متخصص داخل الفم يُعرف باسم عضو جاكوبسون، الذي يساعدها على تفسير هذه الإشارات، سواء كانت خاصة بالفريسة أو المفترسات أو حتى شركاء التزاوج.

 

ولهذا السبب، رأى الباحثون أن أي محاولة لاختبار ذكاء الأفاعي يجب أن تعتمد على هذه الحاسة بدلًا من البصر.

 

 

تجربة مصممة خصيصًا للأفاعي

 

أجرى فريق من العلماء دراسة على 24 أفعى من نوع أفاعي الرباط، وهو أحد أكثر الأنواع انتشارًا في أمريكا الشمالية.

 

وبعد فقس البيوض، وُضعت كل أفعى في حاوية منفصلة، مع تقسيمها إلى مجموعتين غذائيتين؛ الأولى تتغذى على الأسماك فقط، والثانية على الديدان، وذلك لإحداث اختلاف واضح في التركيب الكيميائي لفضلاتها.

 

وعندما بلغت الأفاعي عمر أربعة أشهر، بدأ العلماء في اختبار استجابتها لأربع بيئات مختلفة، شملت:

 

  • بطانة قفصها الخاصة.
     
  • بطانة قفص لأفعى أخرى من الجنس نفسه وتتغذى على الغذاء ذاته.
     
  • بطانة قفص لأفعى من الجنس نفسه لكنها تتبع نظامًا غذائيًا مختلفًا.
     
  • بطانة نظيفة خالية من أي روائح.

 

وخلال كل تجربة، راقب الباحثون عدد مرات إخراج الأفاعي لألسنتها وحركتها داخل القفص، باعتبار أن زيادة حركة اللسان تعني محاولة جمع معلومات كيميائية عن البيئة.

 

 

النتائج.. الأفاعي تعرف "رائحتها"

 

أظهرت النتائج أن الأفاعي استجابت بصورة مختلفة تمامًا عند تعرضها لبطانة أقفاصها مقارنة ببطانات الأفاعي الأخرى.

 

فقد قلّ معدل حركة اللسان عند تعرضها لروائحها الخاصة، بينما زادت محاولات الاستكشاف عند مواجهة الروائح القادمة من أفراد آخرين، حتى عندما كانت تلك الأفاعي من النوع نفسه وتتشارك النظام الغذائي ذاته.

 

ويرى الباحثون أن هذا السلوك يشير إلى قدرة الأفاعي على تمييز الإشارات الكيميائية الخاصة بها عن تلك الصادرة من غيرها، وهو ما يمثل شكلًا من أشكال التعرف على الذات.

 

 

هل يشبه ذلك اختبار المرآة؟

 

يُعد اختبار المرآة الذي ابتكره عالم النفس الأمريكي جوردن جالوب قبل نحو خمسين عامًا أشهر وسيلة لقياس الوعي بالذات لدى الحيوانات.

 

ويعتمد الاختبار على وضع علامة في مكان لا يستطيع الحيوان رؤيته إلا عبر المرآة، فإذا لاحظ العلامة وحاول لمسها أو إزالتها، اعتُبر قادرًا على التعرف إلى نفسه.

 

وقد نجحت في هذا الاختبار أنواع محدودة فقط، أبرزها:

 

  • الشمبانزي.
     
  • الأورانغوتان.
     
  • البونوبو.
     
  • الأفيال.
     
  • الدلافين.

 

لكن الأفاعي لا تعتمد على الرؤية بالطريقة نفسها، لذلك يرى الباحثون أن إخضاعها لاختبار المرآة لا يعكس قدراتها الحقيقية.

 

 

جدل علمي حول معنى "تمييز الذات"

 

ورغم النتائج المثيرة، لم يقتنع جميع العلماء بالتفسير المطروح.

 

فجوردن جالوب وعدد من الباحثين يرون أن القدرة على تمييز الروائح الخاصة لا تعادل بالضرورة الوعي بالذات كما يقاس باختبار المرآة.

 

ويشير عالم النفس جيمس أندرسون إلى أن التعرف على الذات عبر الإشارات الكيميائية يختلف جوهريًا عن التعرف البصري الذي يظهر لدى الإنسان أو القردة العليا.

 

أما الباحث جوردون برغاردت، أحد المشاركين في الدراسة، فيوضح أن هدف الدراسة ليس الادعاء بأن الأفاعي تمتلك وعيًا ذاتيًا كاملاً، وإنما إثبات أنها قادرة على إدراك أنها تختلف عن الكائنات الأخرى، وهو مستوى من الإدراك يستحق الدراسة.

 

 

هل الوعي بالذات درجات؟

 

أعادت هذه النتائج إحياء نقاش قديم بين علماء السلوك الحيواني حول مفهوم الوعي بالذات.

 

فبعض الباحثين يعتقدون أن الوعي ليس صفة موجودة أو غائبة بالكامل، بل هو مجموعة من المستويات والدرجات، بحيث تمتلك كل فصيلة قدرًا مختلفًا من الإدراك يتناسب مع طبيعة حواسها وأسلوب حياتها.

 

ومن هذا المنطلق، قد يكون التعرف الكيميائي لدى الأفاعي شكلًا مختلفًا من أشكال الإدراك، دون أن يطابق مفهوم الوعي الذاتي لدى الإنسان.

 

 

الزواحف أكثر ذكاءً مما نعتقد

 

لا تأتي هذه الدراسة بمعزل عن أبحاث أخرى بدأت خلال السنوات الأخيرة في تغيير الصورة النمطية عن الزواحف.

 

فقد كشفت دراسات سابقة أن بعض أفاعي الجرس تستطيع إزالة الأغصان الصغيرة من طريقها قبل نصب الكمين لفرائسها، في سلوك يوحي بالتخطيط المسبق.

 

كما أظهرت أبحاث أخرى أن ذكور أفاعي الجرس تعود إلى الجحر نفسه عامًا بعد عام، بينما تميل الإناث الحوامل وصغارها إلى التجمع مع أقاربها، في سلوك اجتماعي لم يكن يُعتقد سابقًا أنه موجود لدى هذه الحيوانات.

 

ويرى الباحثون أن هذه السلوكيات تشير إلى أن الأفاعي تمتلك قدرات على التعلم والتكيف وربما تكوين علاقات اجتماعية أكثر تعقيدًا مما كان يُتصور.

 

https://www.youtube.com/watch?v=xmgncO3sXX0

 

https://www.youtube.com/watch?v=C1rx0dLBVi