توصلت دراستان أجريتا مؤخرًا إلى نتائج مقلقة بخصوص حليب الثدي، بعد أن أظهرتا وجود مزيج من المواد الكيميائية الضارة المحتملة في عينات من مئات الأمهات، مما يثير مخاوف من أنها قد تتداخل مع هرمونات الطفل خلال مرحلة حرجة من مراحل نموه.
خلال الدراسة الأولى، حلل فريق من الباحثين الإيطاليين حليب الثدي والبول من 336 أمًا وأطفالهن، والتي تم جمعها بعد شهر واحد وثلاثة أشهر وستة أشهر من الولادة.
المواد الكيميائية المسببة لاضطرابات الغدد الصماء
اختبر الباحثون أكثر من 50 مادة يحتمل أن تكون ضارة، ووجدوا أن العديد منها يحتوي على آثار من المواد الكيميائية المسببة لاضطرابات الغدد الصماء، والتي يمكن أن تتداخل مع كيفية عمل الهرمونات في الجسم، بحسب ما ذكرت صحيفة "نيويورك بوست" .
واكتشف الباحثون مادة بيسفينول أ، وهي مادة كيميائية تستخدم في حاويات الطعام البلاستيكية وورق الإيصالات وغيرها من المنتجات اليومية، في 51.2 بالمائة من عينات حليب الثدي بعد شهر واحد من الولادة، وانخفضت قليلاً إلى 49.8 بالمائة بعد ستة أشهر من الولادة.
ومن بين الأطفال، كان لدى حوالي واحد من كل ثلاثة منهم مادة بيسفينول أ في بولهم بعد الولادة بفترة وجيزة، وارتفعت النسبة إلى ما يقرب من الثلثين عد بلوغهم ستة أشهر.
كما تم العثور على مادة كيميائية مماثلة تسمى بيسفينول إس، والتي تستخدم غالبًا كبديل لـ بيسفينول أ في المواد البلاستيكية، في كل من الأمهات والأطفال، مع ارتفاع مستوياتها بمرور الوقت.
ونادرًا ما تم العثور على المواد الكيميائية المرتبطة بعوادم السيارات واحتراق الوقود، والمعروفة باسم الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، في الحليب ولكن تم اكتشافها باستمرار في بول الأطفال.
كما تم الكشف بشكل شائع عن البارابين، وهي مواد حافظة تستخدم في الشامبو والمستحضرات التجميلية، حيث زادت مستوياتها لدى الرضع مع تقدمهم في العمر.
وتم الكشف عن مادة الجلوفوسينات، وهي مبيد للأعشاب يستخدم في الزراعة، لدى كل من الأمهات والأطفال في نقاط متعددة طوال فترة الدراسة.
وتم العثور على الفثالات، المستخدمة لجعل البلاستيك أكثر ليونة ومرونة، في أكثر من 90 بالمائة من عينات حليب الثدي التي تم أخذها بعد شهر واحد من الولادة، وظلت شائعة في عمر ستة أشهر، مع ارتفاع مستوياتها في بول الأطفال بشكل حاد بمرور الوقت.
المواد الكيميائية تسبب بمشاكل صحية لدى الرضع
وربطت الدراسات هذه المواد الكيميائية بمشاكل صحية محتملة لدى الرضع، بما في ذلك اضطراب الهرمونات، والتغيرات في النمو والوزن، والآثار المحتملة على نمو الدماغ والتمثيل الغذائي على المدى الطويل.
وقالت الدكتورة ماريا إليزابيث ستريت، مؤلفة الدراسة ومديرة قسم الغدد الصماء للأطفال في جامعة بارما بإيطاليا، في بيان صحفي: "حليب الأم هو المصدر الغذائي الأمثل لأي طفل ويجب حمايته لأنه ناقل للملوثات البيئية".
وأضافت: "تمثل مرحلة الطفولة المبكرة فترة حرجة للتعرض للعوامل الضارة، حيث تتضاعف الآثار في هذه المرحلة العمرية، ويصبح الضرر واضحًا بعد سنوات عديدة".
وفي الدراسة الثانية، فحص باحثون في سياتل حليب الثدي من 50 أمًا جديدة، ووجدوا أن حوالي 92 بالمائة منها تحتوي على مادة كيميائية واحدة على الأقل من المواد المسببة لاضطرابات الغدد الصماء.
وتبين بالفعل أن تلك العينات نفسها تحتوي على ما يعروف باسم "المواد الكيميائية الأبدية"، لأنها لا تتحلل بسهولة في الجسم أو البيئة- بالإضافة إلى مثبطات اللهب، وكلاهما معروف أيضًا بتداخله مع الهرمونات.
وعلى الرغم من أن بعض المواد الكيميائية كانت أقل من عتبات السلامة لمنظمة الصحة العالمية، إلا أن مؤلفي الدراسة أشاروا إلى أنها لا تزال عند مستويات ربطتها الأبحاث السابقة بآثار صحية سلبية محتملة.
وقال الدكتور ريان بابادي، المدير العلمي لمنظمة "مستقبل خالٍ من السموم"، التي ساهمت في البحث، في بيان: "تشير هذه النتائج إلى أن الرضع وأمهاتهم يتعرضون لمواد كيميائية معطلة للهرمونات تستخدم في المنتجات اليومية، بما في ذلك البلاستيك، خلال مراحل النمو الحرجة".
وأضاف: "تسلط هذه الحوادث الضوء على الحاجة إلى ضمانات أقوى حتى لا تتعرض الأسر للخطر لمجرد إطعام أطفالها".
الحد من التلوث البيئي
ويقول مؤلفو الدراستين إن نتائجهم لا تهدف إلى منع الرضاعة الطبيعية، التي توفر تغذية مثالية للرضع ويمكن أن تساعد في حماية كل من الأم والطفل من مجموعة من الأمراض قصيرة وطويلة الأمد.
لكنهم أكدوا أن بحثهم يسلط الضوء على حاجة أوسع للحد من التلوث البيئي والحد من التعرض لهذه المواد السامة المحتملة.
وقال بابادي: "إن وجود هذه المواد الكيميائية في حليب الثدي يدل على أننا بحاجة إلى بذل المزيد لحماية الصحة العامة".

