بدأ جيش الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ مشروع هندسي وعسكري واسع داخل قطاع غزة، يقوم على إنشاء سواتر ترابية وحواجز خرسانية وطرق عسكرية ونقاط مراقبة على امتداد ما يسمى «الخط الأصفر»، في خطوة تعزز السيطرة الإسرائيلية على أكثر من نصف مساحة القطاع وتهدد بتحويل التقسيم الميداني المؤقت إلى حدود مفروضة بالقوة تفصل التجمعات الفلسطينية وتحاصر السكان داخل مساحة آخذة في الانكماش.
وكشفت صور أقمار صناعية حديثة، حللتها وكالة أسوشيتد برس، أن طول السواتر التي أنشأها الاحتلال تجاوز 23 كيلومترًا، بما يعادل أكثر من نصف طول قطاع غزة البالغ نحو 40 كيلومترًا، بينما تمر التحصينات الجديدة عبر بلدات وأحياء دمرتها القوات الإسرائيلية، وتجاورها قواعد عسكرية وطرق مخصصة لتحركات الآليات، في مشهد يعكس انتقال الاحتلال من العمليات المؤقتة إلى تثبيت وجود عسكري طويل الأمد.
حاجز عسكري يمتد 23 كيلومترًا
يمثل الساتر الترابي الجديد واحدًا من أضخم المشروعات العسكرية التي ينفذها الاحتلال داخل غزة منذ بدء الحرب، إذ لا يقتصر المشروع على تكديس الرمال أو وضع كتل خرسانية لتحديد مواقع القوات، بل يتضمن إنشاء منظومة متكاملة من التحصينات والممرات العسكرية والقواعد المرتفعة ومواقع المراقبة التي تسمح للجيش بالتحكم في الحركة بين مناطق القطاع.
وتظهر صور شركة «بلانيت لابس» للأقمار الصناعية أن شبكة السواتر تتوزع على مناطق متعددة، تبدأ من محيط بيت لاهيا شمالًا، وتمر بمناطق قريبة من مخيمي المغازي والبريج وسط القطاع، وتمتد جنوبًا باتجاه بني سهيلا وخان يونس ورفح والمواصي، وهي مناطق شهدت عمليات تدمير واسعة وإزالة أحياء سكنية كاملة خلال الهجمات الإسرائيلية.
وبحسب تحليل الصور، يمتد أطول جزء متصل من الساتر لمسافة تقارب 17 كيلومترًا، بداية من جنوب خان يونس وصولًا إلى مناطق قريبة من مدينة غزة، بينما تواصل الجرافات والآليات العسكرية توسيع المسار جنوبًا. وأضاف الاحتلال أكثر من كيلومتر إلى أحد أقسام الحاجز خلال الفترة بين 21 يونيو و7 يوليو 2026، قرب قاعدة عسكرية أقيمت فوق أنقاض بلدة بني سهيلا.
وفي منطقة رفح، كشفت صور الأقمار الصناعية عن تسارع لافت في أعمال الإنشاء، إذ كان طول أحد أجزاء الساتر نحو 500 متر فقط في الأول من يوليو، قبل أن يرتفع إلى قرابة 2.4 كيلومتر بحلول 15 يوليو، بزيادة تقترب من كيلومترين خلال أسبوعين، ما يشير إلى وتيرة عمل مكثفة هدفها استكمال الربط بين التحصينات المنتشرة في جنوب القطاع.
ويفصل هذا الجزء من الساتر بين أنقاض مدينة رفح الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية ومنطقة المواصي التي تضم بعض أكبر مخيمات النازحين الفلسطينيين، بما يضع عشرات الآلاف من المدنيين أمام حاجز عسكري جديد قد يمنعهم من العودة إلى منازلهم وأراضيهم حتى في حال توقف العمليات القتالية.
ولا تبدو التحصينات منفصلة عن سياسة أوسع لفرض وقائع ميدانية جديدة، فقد أظهرت تحقيقات سابقة نقل علامات «الخط الأصفر» والكتل الخرسانية إلى داخل مناطق فلسطينية بمسافات وصلت في بعض المواقع إلى مئات الأمتار، ما أدى إلى تدمير منازل جديدة وتهجير سكان كانوا يعتقدون أنهم يقيمون خارج مناطق سيطرة الاحتلال.
الخط الأصفر يتحول إلى حدود
يقدم جيش الاحتلال «الخط الأصفر» بوصفه إجراءً أمنيًا مرتبطًا باتفاق وقف إطلاق النار، ويقول إن العلامات الخرسانية تهدف إلى توضيح مناطق انتشار القوات ومنع الاقتراب منها، وإن المنطقة مزودة بوسائل مراقبة وتقنيات استخباراتية لحماية الجنود ومنع عمليات التسلل، من دون إعلان الطول النهائي للسواتر أو موعد الانتهاء من بنائها.
غير أن حجم الإنشاءات وطبيعتها الدائمة يتناقضان مع الحديث عن حدود مؤقتة، فالجيش لا يكتفي بوضع إشارات مرئية، بل يشيد سواتر ضخمة وقواعد عسكرية وطرقًا تسمح ببقاء القوات وتحركها لفترات طويلة، كما وصف رئيس أركان الجيش الإسرائيلي المواقع الواقعة على امتداد الخط بأنها «حدود أمنية جديدة»، وهو توصيف يكشف المقصد الحقيقي وراء المشروع.
وتمنح هذه التحصينات الاحتلال قدرة متزايدة على تقسيم غزة إلى مناطق منفصلة والتحكم في انتقال المدنيين والبضائع والمساعدات، فضلًا عن فرض نطاقات عسكرية محظورة حول الساتر، يمكن توسيعها أو تحريكها من دون اتفاق سياسي أو رقابة دولية، وهو ما يحول الخط تدريجيًا من ترتيب عسكري إلى أداة لاقتطاع الأرض وإعادة تشكيل الخريطة السكانية.
وقد حذرت الأمم المتحدة من أن مناطق تقييد الحركة داخل غزة تتوسع بصورة متواصلة، وأنها كانت تغطي نحو 65 في المئة من مساحة القطاع بحلول أواخر يونيو 2026، في حين يجد الفلسطينيون أنفسهم محصورين في مناطق مكتظة غرب الخطوط العسكرية، بعيدًا عن الأراضي الزراعية والمنشآت الحيوية والمنازل التي اضطروا إلى مغادرتها.
كما سجلت الأمم المتحدة توسع «الخط الأصفر» عدة مرات عبر نقل الكتل الأسمنتية غربًا باتجاه المناطق المأهولة، ما تسبب في موجات نزوح جديدة من أحياء مدينة غزة وخان يونس ومناطق أخرى، وأجبر عائلات على ترك مواقع كانت تعد آمنة نسبيًا قبل أن تدخل فجأة ضمن نطاق الانتشار العسكري الإسرائيلي.
وبذلك يتحول الساتر إلى وسيلة لفرض السيطرة من دون إعلان ضم رسمي، إذ يحتفظ الاحتلال بالأرض الواقعة خلفه ويمنع أصحابها من العودة إليها، بينما يترك الباب مفتوحًا أمام تعديل مساره كلما قررت القوات التقدم، بما يجعل الحدود المتحركة خاضعة للقرار العسكري الإسرائيلي وحده وليس لأي اتفاق ملزم.
حصار إنساني داخل مساحة متقلصة
يتزامن بناء السواتر مع أزمة إنسانية خانقة يعيشها سكان غزة، إذ أدت العمليات العسكرية وقرارات الإخلاء وتوسيع المناطق المحظورة إلى تكدس مئات الآلاف من النازحين داخل مخيمات ومناطق ساحلية تفتقر إلى المياه النظيفة والمرافق الصحية والمساحات الكافية، بينما أصبحت أجزاء كبيرة من القطاع خارج متناول أصحابها والمؤسسات الإنسانية.
وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن العمليات العسكرية وانعدام الأمن والقيود المفروضة على الحركة تؤدي إلى موجات نزوح جديدة، وتعطل وصول السكان إلى الغذاء والمياه والمأوى والرعاية الصحية، كما تعرقل عمليات الإغاثة وتمنع الطواقم من الوصول المنتظم إلى المجتمعات المتضررة.
ولا يقتصر خطر الحاجز على منع الفلسطينيين من العودة، بل يمتد إلى تهديد حياتهم عند الاقتراب من المسار غير الواضح، خصوصًا مع تحريك العلامات الخرسانية وتغيير مواقعها. ووفق الأمم المتحدة، جرى التحقق من مقتل 196 فلسطينيًا، بينهم 18 امرأة و43 طفلًا، في هجمات إسرائيلية قرب مناطق انتشار القوات بين 10 أكتوبر 2025 ومطلع أبريل 2026.
كما يؤدي توسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية إلى عزل منشآت مدنية وإنسانية مهمة، فقد أفادت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بأن 126 منشأة تابعة لها أصبحت داخل المنطقة العسكرية الإسرائيلية خلف «الخط الأصفر» أو في مناطق أخرى لا يمكن الوصول إليها إلا بموافقة وتنسيق مسبقين مع الاحتلال.
ويهدد استمرار بناء السواتر بتعقيد أي خطة مستقبلية لإعادة إعمار القطاع، لأن الآليات والمعدات والعمال لن يتمكنوا من الوصول إلى المناطق الواقعة خلف التحصينات من دون تصاريح إسرائيلية، بينما ستظل آلاف المنازل والأراضي الزراعية والطرق والمرافق العامة معزولة عن أصحابها، بما يرسخ اعتماد السكان على المساعدات بدل استعادة حياتهم ومصادر رزقهم.
كذلك يمكن أن يمنع التقسيم الجديد التواصل الطبيعي بين شمال غزة ووسطها وجنوبها، ويحول الرحلات القصيرة بين المدن إلى عمليات عبور تخضع للحواجز والتفتيش والانتظار، وهو ما يعيد إنتاج نموذج السيطرة العسكرية المعمول به في الضفة الغربية، لكن داخل قطاع صغير ومكتظ لا يملك سكانه بدائل جغرافية أو طرقًا خارجية.
وتثير سرعة بناء الحاجز شكوكًا جدية بشأن مستقبل المفاوضات السياسية، لأن الاحتلال يواصل تغيير الواقع على الأرض بينما تتعثر الترتيبات المتعلقة بالانسحاب وإعادة الإعمار وعودة النازحين. وكل يوم يمر مع استمرار الإنشاءات يجعل إزالة السواتر والقواعد أكثر صعوبة ويزيد تكلفة التراجع عنها سياسيًا وعسكريًا.
ولا يمكن النظر إلى الساتر باعتباره إجراءً دفاعيًا محدودًا، فهو جزء من منظومة تهدف إلى تثبيت السيطرة على الأرض بعد تدميرها وإفراغها من سكانها، ثم تحويل خطوط انتشار القوات إلى حدود واقعية تحرم الفلسطينيين من معظم مساحة قطاعهم وتحشرهم في جيوب مكتظة ومنفصلة.
وبينما يعلن الاحتلال أن المشروع يستهدف حماية قواته، تكشف الصور والأرقام عن عملية منظمة لإعادة رسم غزة تحت غطاء أمني، بحيث يصبح «الخط الأصفر» جدارًا داخليًا يحدد للفلسطينيين أين يمكنهم السكن والتحرك، ويمنح إسرائيل السيطرة على الأرض والطرق والمعابر والموارد، من دون تقديم أي ضمانة بانسحاب حقيقي أو استعادة السكان لمناطقهم.
يمثل المشروع، في جوهره، محاولة لتحويل نتائج الحرب إلى خريطة سياسية دائمة، وفرض تقسيم بالقوة قبل الوصول إلى أي تسوية. وإذا استمر البناء بالوتيرة الحالية، فقد يستيقظ الفلسطينيون على قطاع لم يعد موحدًا جغرافيًا، بل مقسمًا بالسواتر والقواعد العسكرية ومناطق القتل، بينما تتحول العودة وإعادة الإعمار وحرية الحركة إلى حقوق معلقة بإذن الاحتلال.

