أثار الهجوم الذي شنه الحاخام الأكبر لليهود في المملكة المتحدة على كنيسة إنجلترا موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط البريطانية، بعدما وصف قرار الكنيسة بالتفاعل مع وثيقة "كايروس فلسطين 2" والتضامن مع المسيحيين الفلسطينيين بأنه "مخزٍ"، وهو ما قوبل بردود فعل غاضبة من نشطاء وسياسيين وأكاديميين اعتبروا أن تصريحاته تمثل تدخلاً مباشراً في شؤون الكنيسة ومحاولة لفرض وصاية على قراراتها الداخلية.
وجاءت الأزمة عقب تصويت السينودس العام لكنيسة إنجلترا بأغلبية كبيرة لصالح مذكرة تدعو إلى الاستماع إلى أصوات المسيحيين الفلسطينيين، والتفاعل مع وثيقة "كايروس فلسطين 2"، في خطوة وصفت بأنها تاريخية داخل الكنيسة الإنجليزية، بينما اعتبرها مؤيدوها تحولاً مهماً في موقف إحدى أكبر المؤسسات الدينية في العالم تجاه القضية الفلسطينية.
غضب من تدخل الحاخام الأكبر
وأثار وصف الحاخام الأكبر لليهود في بريطانيا قرار الكنيسة بأنه "مخزٍ" موجة انتقادات من عدد من النشطاء البريطانيين الذين رأوا أن تصريحاته تتجاوز حدود الحوار الديني إلى محاولة التأثير في قرارات مؤسسة كنسية مستقلة.
واعتبر المنتقدون أن إصدار توجيهات علنية لكنيسة إنجلترا أو مهاجمة قراراتها الداخلية يثير تساؤلات حول حدود الدور الديني، خاصة أن الكنيسة اتخذت قرارها بعد نقاشات وتصويت رسمي داخل هيئاتها المنتخبة.
ويرى مؤيدو الكنيسة أن قرارها لم يكن موجهاً ضد أي ديانة، وإنما جاء في إطار إظهار التضامن مع المسيحيين الفلسطينيين والاستماع إلى روايتهم بشأن ما يواجهونه من معاناة.
كنيسة إنجلترا تتخذ خطوة تاريخية
وكانت الهيئة الحاكمة لكنيسة إنجلترا قد صوتت لصالح الاستماع إلى أصوات المسيحيين الفلسطينيين والتفاعل مع سلسلة إعلانات "كايروس فلسطين 2"، في قرار اعتبره فلسطينيون وعدد من القادة المسيحيين خطوة غير مسبوقة تعكس انفتاح الكنيسة على الرواية الفلسطينية.
وأكد مؤيدو القرار أن الكنيسة سعت من خلال هذه الخطوة إلى تعزيز الحوار مع الكنائس الفلسطينية، وإبراز معاناة المسيحيين الفلسطينيين ضمن إطار أخلاقي وروحي، بعيداً عن الحسابات السياسية.
الحاخام الأكبر يهاجم القرار
وعقب التصويت، انتقد الحاخام الأكبر لليهود البريطانيين السير إفرايم ميرفيس القرار، ووصفه بأنه "مخزٍ"، معتبراً أن الوثيقة التي أوصى السينودس بالتفاعل معها تقدم رواية أحادية ومشوّهة لأحد أكثر الصراعات تعقيداً في العالم، وأنها قد تعيق فرص السلام.
It is shameful that the Church of England General Synod has recommended engagement with Kairos II.
— Chief Rabbi Sir Ephraim Mirvis (@chiefrabbi) July 13, 2026
This is a document full of falsehood, which openly rejects dialogue, uses extreme rhetoric to challenge the very existence of Israel and objects to existing peace agreements in… https://t.co/hxQnsAW449
تنديد بالتدخل في شؤون كنيسة إنجلترا
ومن أبرز الردود على تصريحات الحاخام الأكبر، ما كتبه الناشط السياسي والباحث البريطاني مايك غالسورث، الذي أعرب عن استغرابه من توجيه الحاخام الأكبر لكنيسة إنجلترا بشأن طبيعة الحوار الذي ينبغي أن تجريه مع رجال الدين المسيحيين الفلسطينيين.
وقال غالسورث: "من المؤسف حقًا أن نرى كبير حاخامات بريطانيا يوجه كنيسة إنجلترا، باعتبارها مؤسسة دينية مسيحية إنجليزية، بألا تنخرط في حوار مع رجال الدين المسيحيين الفلسطينيين الذين يطلبون منها الاستماع إلى صوتهم."
It is appalling to witness the Chief Rabbi instructing the Church of England that they, as English Christian clergy, should not engage with Palestinian Christian clergy petitioning them.
— Mike Galsworthy (@mikegalsworthy) July 14, 2026
And then to publicly label the Church “shameful” for not obeying him?
What puts his… https://t.co/5EjCWWOLqk
وانتقد غالسورث، الذي يشغل أيضاً منصب رئيس الحركة الأوروبية في المملكة المتحدة، ما وصفه بمحاولة تنصيب الحاخام الأكبر نفسه حكماً على قرارات كنيسة إنجلترا أو فرض وصاية عليها.
وأضاف قائلاً: "إنه يصف الكنيسة علنًا بأنها «مخزية» لأنها لم تمتثل لرأيه. فما الذي يمنح حكمه أو سلطته أفضلية على حكم وسلطة قادة الكنيسة أنفسهم؟"
وأكد أن أتباع الديانات المختلفة قادرون على التعايش والتفاهم فيما بينهم، معتبراً أن مثل هذه التصريحات قد تساهم في توتير العلاقات بين المجتمعات الدينية بدلاً من تعزيزها.
وأضاف أن الادعاء بأن قرار الكنيسة سيضر بالعلاقات اليهودية-المسيحية قد يكون في حد ذاته سبباً في الإضرار بهذه العلاقات، مشدداً على أن المسيحيين واليهود والمسلمين والهندوس وغيرهم قادرون على العيش معاً دون الحاجة إلى خطابات تزيد من الانقسام أو الصراع حول النفوذ والسلطة.
"لا للترهيب"
من جانبه، رحب حساب توم لندن بموقف قيادة كنيسة إنجلترا، وكتب: "أنا يهودي، أنا بريطاني، وأحيي رئيسة الأساقفة سارة مولاي على شجاعتها الأخلاقية."
I'm a British Jew. I applaud @ArchbishopSarah for her moral courage
— Tom London (@TomLondon6) July 14, 2026
I deplore the bullying of the Church of England by @chiefrabbi who acts as a political figure. He shamefully supports the actions of Israel even when it commits war crimes, crimes against humanity & GENOCIDE https://t.co/7B4gWR8tfC
وانتقد ما وصفه بأسلوب الترهيب الذي استخدمه الحاخام الأكبر في مخاطبة الكنيسة، معتبراً أن تدخله تجاوز الدور الديني إلى اتخاذ موقف سياسي واضح.
كما وجه انتقادات حادة لدعمه المستمر لسياسات الحكومة الإسرائيلية، قائلاً إن ذلك يشمل مواقف حتى في ظل الاتهامات الدولية المتعلقة بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية.
صدمة داخل اللوبي الإسرائيلي
وأثار اعتماد كنيسة إنجلترا للمذكرة الخاصة بالتضامن مع فلسطين حالة من الغضب داخل أوساط اللوبي الإسرائيلي وممثلي اليهود في بريطانيا، حيث اعتبر كثير منهم أن الخطوة تمثل تحولاً في موقف الكنيسة تجاه القضية الفلسطينية.
في المقابل، رأى مؤيدو القرار أن الكنيسة عبرت عن موقف أخلاقي يرفض ما يتعرض له الفلسطينيون، بينما حاول معارضو القرار تصويره باعتباره تخلياً عن العلاقات اليهودية-المسيحية.
"عار عليكم"
من جهتها، أعربت الناشطة البريطانية الدكتورة شولا موس-شوغباميمو عن استيائها الشديد من موقف الحاخام الأكبر ومجلس نواب اليهود البريطانيين.
وكتبت عبر منصة "إكس": "كيف تجرؤون يا كبير الحاخامات ومجلس نواب اليهود البريطانيين؟ كيف تجرؤون بحق! العار عليكم يا كنيسة إنجلترا! أليست حياة المسيحيين الفلسطينيين مهمة؟"
How dare you Chief Rabbi and Board of Deputies of British Jews? How bloody dare you! Shame on you Church of England! Do Palestinian Christian Lives not matter? pic.twitter.com/ua42Yeid01
— Dr Shola Mos-Shogbamimu (@SholaMos1) July 16, 2026
واعتبرت أن محاولة الضغط على الكنيسة بسبب تضامنها مع المسيحيين الفلسطينيين تمثل موقفاً غير مقبول، مؤكدة أن الكنيسة من حقها اتخاذ قراراتها باستقلالية.
انتقادات متبادلة
ورغم تأكيد رئيسة أساقفة كانتربري، سارة مولالي، أن قرار الكنيسة يستند إلى اعتبارات أخلاقية وروحية وليس إلى مواقف سياسية، فإن الحاخام الأكبر أصر على اعتبار الخطوة ذات أبعاد سياسية.
وأكدت مولالي أن الكنيسة تسعى إلى الاستماع إلى معاناة المسيحيين الفلسطينيين وإظهار التضامن معهم، في إطار رسالتها الدينية والإنسانية.
في المقابل، يرى مؤيدو قرار الكنيسة أن الانتقادات الموجهة إلى وثيقة "كايروس فلسطين 2" تخلط بين انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية وبين الهوية اليهودية، مؤكدين ضرورة الفصل بين اليهودية كدين وبين الصهيونية أو السياسات الحكومية.
ما هو قرار كنيسة إنجلترا؟
أقر السينودس العام لكنيسة إنجلترا مذكرة معدلة بأغلبية 253 صوتاً مقابل 47، تعهد فيها الأعضاء بـ"الوقوف تضامناً" مع المسيحيين الفلسطينيين وسائر أبناء الشعب الفلسطيني.
كما شجعت المذكرة الكنائس والأبرشيات على دراسة وثيقة "كايروس فلسطين" والانخراط في حوار أوسع لفهم واقع المسيحيين الفلسطينيين.
واعتمد المجمع العام وثيقة "كايروس فلسطين 2"، في خطوة وصفها مؤيدوها بأنها محطة مهمة بالنسبة للكنائس الفلسطينية، لما تمثله من اعتراف بالصوت المسيحي الفلسطيني داخل واحدة من أبرز المؤسسات الكنسية العالمية.
Today was the fourth and penultimate day of General Synod in York. Each day, we're bringing you the latest news, debates and highlights from Synod.
— The Church of England (@churchofengland) July 13, 2026
Watch Synod online at https://t.co/oA8x48UKOv. pic.twitter.com/PqfAp8Rf1n
وأكدت رئيسة أساقفة كانتربري سارة مولالي أن دعم الفلسطينيين لا يمثل موقفاً سياسياً، موضحة أن الدعوة إلى تحقيق العدالة للفلسطينيين تنطلق من منظور أخلاقي وروحي، وأنه ينبغي الاستماع إلى معاناة المسيحيين الفلسطينيين والتضامن معهم.
وتصف الوثيقة إسرائيل بأنها "كيان استيطاني استعماري إقصائي"، كما تدعو الكنائس حول العالم إلى التمييز بين اليهودية كدين والصهيونية كحركة سياسية، وعدم الخلط بين الانتماء الديني والمواقف السياسية.
وجاء اعتماد الوثيقة بعد سنوات من الجهود التي بذلتها الكنائس الفلسطينية لإيصال رؤيتها إلى الكنائس العالمية، حيث اعتبر القرار ثمرة مسار طويل من الحوار والعمل الكنسي.
"أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي"
ورحبت الناشطة البريطانية أودري وايت، العضو في تحالف "أوقفوا الحرب" والمقيمة في ليفربول، بقرار الكنيسة، مستشهدة بالمثل الشهير: "أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي أبدًا."
وأضافت: "بعد مرور ما يقرب من ثلاث سنوات، لكن أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي أبدًا. صوتت كنيسة إنجلترا على الاستماع إلى المسيحيين الفلسطينيين بشأن ما وصفته بالإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة."
Nearly three years on but better late than never- Church of England votes to hear Palestinian Christians on Israeli genocide in Gaza https://t.co/9VH33K9L2S
— audrey White (@RedRosa91940184) July 16, 2026
وتعد أودري وايت من أبرز الناشطات في بريطانيا، واختيرت ضمن قائمة النساء الأكثر تأثيراً خلال المئة عام الماضية في ترشيح عبر إذاعة BBC Radio 4، تقديراً لدورها في تغيير القوانين المتعلقة بالتحرش الجنسي.
ما هي وثيقة "كايروس فلسطين 2"؟
تعد "كايروس فلسطين 2" وثيقة مسيحية فلسطينية صدرت عام 2024 باعتبارها امتداداً لوثيقة "كايروس فلسطين: لحظة حق" التي أطلقتها قيادات مسيحية فلسطينية عام 2009.
وتهدف الوثيقة إلى تقديم قراءة لاهوتية وسياسية للواقع الفلسطيني من منظور مسيحي فلسطيني، والدعوة إلى تحقيق العدالة والسلام وإنهاء الاحتلال وضمان الحقوق الفلسطينية.

