خسرت شركة الشرقية للدخان أكثر من 11 ألف عامل خلال 15 عاما، بعدما تراجع عدد موظفيها من نحو 14 ألفا عام 2011 إلى قرابة 2400 فقط في 2026، وسط تسارع غير مسبوق لعمليات التخارج بعد استحواذ شركة جلوبال للاستثمار القابضة الإماراتية على 30% من أسهم الشركة، وتحول العمالة الدائمة إلى عقود مؤقتة أقل أجرا وحقوقا، رغم ارتفاع الأرباح واستمرار السيطرة على معظم سوق السجائر في مصر.

 

لا تبدو هذه الأرقام مجرد نتيجة طبيعية لتحديث خطوط الإنتاج أو رفع الكفاءة، وإنما تعكس عملية واسعة لإعادة تشكيل واحدة من أكبر الشركات الصناعية المملوكة للدولة، عبر التخلص من العمالة المستقرة وبيع الأصول وتغيير الإطار القانوني، ثم إعادة بعض العمال أنفسهم من خلال شركات التوريد، ولكن بشروط أضعف وتكلفة أقل على الإدارة والمستثمر.

 

وتكشف الأزمة وجها مألوفا لسياسات الخصخصة في عهد عبد الفتاح السيسي، إذ يجري تقديم الشركات العامة الرابحة للمستثمرين باعتبارها فرصة استثمارية، بينما يدفع العمال ثمن الصفقة من استقرارهم الوظيفي وأجورهم وتأميناتهم وحصصهم في الأرباح، في غياب الشفافية والمحاسبة والرقابة النقابية المستقلة.

 

نزيف العمالة يتسارع

 

بدأ الانخفاض الكبير في أعداد العاملين قبل دخول المستثمر الإماراتي، لكنه اتخذ وتيرة أكثر حدة خلال السنوات الأخيرة، إذ بلغ عدد الموظفين 13052 عاملا في 2021، قبل أن يتراجع إلى 11035 عاملا في 2022، ثم إلى 8921 عاملا خلال 2023.

 

وخلال السنوات الثلاث التالية، فقدت الشركة أكثر من 6500 عامل إضافي، حتى انكمشت قوتها البشرية إلى نحو 2400 موظف فقط في 2026، وهو ما يعني أن الشركة تخلصت من قرابة ثلاثة أرباع عمالتها المسجلة عام 2023 خلال فترة زمنية شديدة القصر.

 

ويتزامن هذا الانهيار مع العام المالي 2022 و2023، الذي شهد استحواذ شركة جلوبال للاستثمار القابضة الإماراتية على حصة 30% من أسهم الشرقية للدخان، بما يثير تساؤلات جدية حول دور المستثمر الجديد في تحديد مستهدفات خفض العمالة وتغيير شكل التعاقد داخل الشركة.

 

ولا يقدم التزامن وحده دليلا قاطعا على مسؤولية المستثمر الإماراتي عن جميع عمليات التخارج، لكنه يفرض على الشركة والحكومة الكشف عن خطة إعادة الهيكلة التي سبقت الصفقة أو أعقبتها، وتوضيح ما إذا تضمنت شروطا مرتبطة بتقليص الأجور والعمالة الدائمة والمزايا الاجتماعية.

 

وترافقت عملية تقليص العاملين مع طرح أصول ومصانع وأراض تابعة للشركة للبيع بالمزاد العلني في الجيزة والطالبية والإسكندرية والمنوفية، بما يكشف أن ما يجري لا يقتصر على إعادة تنظيم الموارد البشرية، بل يمتد إلى تفكيك أجزاء من البنية الصناعية والعقارية للشركة.

 

كما انتقلت الشرقية للدخان من الخضوع لقانون قطاع الأعمال العام إلى قانون الشركات رقم 159، وهو تحول قانوني لم يكن شكليا، إذ أتاح للإدارة مساحة أوسع في التعامل مع العمال والأصول، وقلص الضمانات المرتبطة بطبيعة الشركة باعتبارها إحدى قلاع القطاع العام.

 

وبينما تروج الإدارة لهذه الإجراءات باعتبارها جزءا من التطوير ورفع الكفاءة، تظل النتيجة الفعلية واضحة في خروج آلاف العمال، وتراجع الوجود العمالي الدائم، واتساع الاعتماد على التعاقدات المؤقتة، دون إعلان تقييم اجتماعي أو اقتصادي لتأثير هذه التحولات على الأسر والمجتمعات المرتبطة بالمصانع.

 

رضا تحت ضغط الإدارة

 

أطلقت الشركة على برنامج خروج العاملين اسم «التخارج الاتفاقي الرضائي»، في محاولة لتقديم العملية باعتبارها قرارا حرا يتخذه الموظف مقابل تعويض مالي، وليس معاشا مبكرا مفروضا أو فصلا جماعيا مقنعا يستهدف خفض تكلفة العمالة.

 

لكن شهادات عاملين ومصادر نقابية ترسم صورة مختلفة عن الرواية الرسمية، إذ تشير إلى أن القبول بالتخارج جاء بعد سنوات من تجميد الأجور منذ 2018، وتقليص الحوافز، وتراجع المزايا، والتلويح بالنقل إلى مواقع نائية أو الحرمان من فرص الترقي.

 

وفي ظل هذه الضغوط، يصبح الحديث عن «الرضا» موضع شك، لأن العامل لا يختار بين البقاء في وظيفة مستقرة والحصول على تعويض، وإنما يختار بين الخروج بمبلغ مالي فوري أو الاستمرار في بيئة عمل تتراجع فيها حقوقه وتتزايد حوله أدوات التضييق.

 

وحصل بعض الخارجين على تعويضات تجاوزت مليوني جنيه، وهي مبالغ قد تبدو كبيرة عند النظر إليها منفردة، لكنها تمثل في الحقيقة مقابلا للتنازل عن سنوات من الأمان الوظيفي والتأمين الصحي والمعاش والحوافز والأرباح السنوية، فضلا عن الدخل المنتظم حتى بلوغ سن التقاعد.

 

والأكثر إثارة للجدل أن الشركة لجأت لاحقا إلى شركات توريد العمالة لتعويض العجز الناتج عن خروج الموظفين، بما يؤكد أن الحاجة إلى الأيدي العاملة لم تختف، وأن الهدف لم يكن التخلص من وظائف لم تعد مطلوبة، وإنما تغيير الطبيعة القانونية والمالية لمن يؤديها.

 

وتشير المعطيات إلى عودة نحو 1800 عامل من الحاصلين على تعويضات التخارج للعمل داخل المجمعات الصناعية نفسها، ولكن من خلال عقود سنوية مؤقتة ومزايا أقل، ليجد العامل نفسه يؤدي عملا قريبا من وظيفته القديمة دون الاستقرار أو الحقوق التي كان يتمتع بها.

 

وهكذا دفعت الشركة تعويضات لإخراج عمال دائمين، ثم أعادت نسبة كبيرة منهم عبر وسطاء، في نموذج يخفض الالتزامات التأمينية وحصص الأرباح وتكاليف الأجور، وينقل المخاطر من الإدارة إلى العامل الذي بات مهددا بعدم تجديد عقده كل عام.

 

ولا تمثل هذه السياسة مجرد مرونة إدارية، بل تغييرا عميقا في هوية العمل داخل الشركة، من علاقة مستقرة تمنح الموظف حقوقا واضحة، إلى علاقة هشة تحوله إلى قوة عمل قابلة للاستبدال، وتضع مستقبله المهني بالكامل تحت سيطرة شركات التوريد.

 

أرباح تتضخم وحقوق تتآكل

 

تتساقط مبررات خفض العمالة أمام المؤشرات المالية المعلنة، إذ سجلت الشرقية للدخان صافي أرباح بلغ 2.15 مليار جنيه خلال الربع الأول من العام المالي 2025 و2026، مقابل 1.82 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من العام السابق.

 

ويعني ذلك أن الشركة لم تكن تواجه انهيارا ماليا يفرض تسريح آلاف الموظفين، بل كانت تحقق نموا في أرباحها بالتزامن مع تقلص قوتها البشرية، وهو تناقض يكشف أن العمال لم يخرجوا لإنقاذ الشركة، وإنما لزيادة هامش الربح وتقليل التكلفة التشغيلية.

 

وتسيطر الشرقية للدخان على نحو 75% من سوق السجائر في مصر، كما تنتج قرابة 100 مليار سيجارة سنويا من مجمعها الصناعي بمدينة السادس من أكتوبر، إلى جانب استفادتها من اتفاقيات تصنيع لعلامات تجارية عالمية، ما يجعلها كيانا رابحا يتمتع بموقع احتكاري بالغ القوة.

 

وفي شركة تحقق هذه الأرباح وتسيطر على هذا الحجم من السوق، يصبح تقليص العمالة إلى نحو 2400 موظف سؤالا سياسيا واجتماعيا، وليس مجرد قرار إداري، خصوصا مع استمرار الإنتاج والاستعانة بعمال مؤقتين لأداء الوظائف التي كان يشغلها الموظفون الدائمون.

 

كما يثير صمت الإدارة عن تفاصيل إعادة الهيكلة شكوكا إضافية، إذ لم توضح للرأي العام عدد العمال الذين خرجوا سنويا، أو قيمة التعويضات المدفوعة، أو عدد من عادوا عبر شركات التوريد، أو الآثار الحقيقية لدخول المستثمر الإماراتي على سياسات التشغيل.

 

ولا يمكن للحكومة أن تتعامل مع الملف باعتباره شأنا داخليا لشركة مدرجة في البورصة، لأن الشرقية للدخان نشأت بأموال عامة، وتمتلك أصولا ضخمة بنتها أجيال من العمال، كما أن الدولة ما زالت طرفا أساسيا في ملكيتها وإدارتها وقراراتها الاستراتيجية.

 

وتكشف قصة الشرقية للدخان المعنى الحقيقي للخصخصة الجارية، حيث لا يتوقف الأمر عند بيع حصة من الأسهم لمستثمر أجنبي، بل يمتد إلى إعادة توزيع مكاسب الشركة لمصلحة رأس المال، مقابل تحميل العمال كلفة رفع الأرباح وخفض الالتزامات طويلة الأجل.

 

وبينما تتضخم الأرباح وتستمر خطوط الإنتاج، يتآكل الوجود العمالي الدائم داخل الشركة، ويتحول آلاف الموظفين من أصحاب حقوق إلى عمال مؤقتين تحت رحمة الوسطاء، لتصبح «إعادة الهيكلة» اسما ناعما لعملية انتزاع واسعة للأمان الوظيفي.

 

وتبقى الحكومة وإدارة الشركة مطالبتين بالكشف عن جميع تفاصيل الصفقة وبرامج التخارج وعقود شركات التوريد، وبيان العلاقة بين المستثمر الإماراتي وسياسات خفض العمالة، لأن ما جرى لا يمكن دفنه خلف تعويضات مالية أو وصف «التراضي».

 

فالعمال الذين بنوا أرباح الشرقية للدخان لعقود ليسوا عبئا ينبغي التخلص منه، والطريق إلى زيادة أرباح المستثمر لا يجوز أن يمر عبر تجميد أجورهم وتقليص حقوقهم وإعادتهم بعقود مؤقتة، بعدما كانوا جزءا أصيلا من واحدة من أكبر القلاع الصناعية المصرية.