أعادت وزارة الخارجية المصرية، بالتنسيق مع سفارتها في طشقند، 12 مواطنًا من أوزبكستان إلى أرض الوطن، بعدما تعرضوا للنصب بعقود عمل وهمية وتركتهم شركات تسفير بلا سكن أو طعام لمدة بلغت 15 يومًا.
تكشف الواقعة سياسيًا وإنسانيًا أن حكومة السيسي تحركت بعد انتشار الاستغاثة، لكنها لم تمنع الجريمة قبل وقوعها، فيما دفعت سياسات الفقر والقمع الشباب إلى شراء أي وعد بالخلاص ولو انتهى بالتشرد.
وبحسب شهادات الضحايا، قدمت شركة تسفير وهمية وعودًا بعقود قانونية ورواتب تبلغ 800 دولار شهريًا، وتلقت مبالغ مالية كبيرة، ثم أرسلت الشباب إلى أوزبكستان بتأشيرات سياحية لا تسمح لهم بالعمل.
وفور وصولهم، انهارت الرواية التي باعتها الشركة، فلا وظائف كانت بانتظارهم ولا مساكن جرى تجهيزها، ليقضوا مددًا وصلت إلى 15 يومًا بلا طعام أو مأوى أو وضع قانوني يضمن سلامتهم.
إنقاذ متأخر لا يعفي الحكومة
وفي المقابل، استقبل السفير المصري تامر حماد المواطنين داخل السفارة في طشقند، وقدمت البعثة الدعم القنصلي وأمّنت تذاكر عودتهم، بعدما تحولت استغاثتهم المنشورة إلى ضغط علني لم يعد ممكنًا تجاهله.
ومع ذلك، لا يجوز تقديم تذاكر العودة بوصفها إنجازًا يغلق الملف، لأن السؤال الأهم يسبق تدخل السفارة، وهو أين كانت أجهزة الرقابة عندما جمعت الشركة الأموال ورتبت سفر الضحايا بتأشيرات مخالفة.
وبالتالي، تبدو الدولة حاضرة عند احتواء الفضيحة وغائبة عند منعها، إذ تتحرك لإعادة العالقين بعد ضياع أموالهم، لكنها لا تكشف للرأي العام كيف عملت الشركة ومن يحمي شبكاتها حتى الآن.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور أيمن زهري، خبير السكان ودراسات الهجرة، أن مسارات السفر القانونية وحدها لا توقف الهجرة ما دامت عوامل الطرد قائمة، وفي مقدمتها الفقر والبطالة والاضطراب السياسي.
ومن ثم، لا يمكن فصل وقوع الشباب في الفخ عن واقع مصري يطحن الأجور ويرفع الأسعار ويغلق المجال العام، حتى أصبح السفر لدى كثيرين محاولة للهروب من حاضر قاس لا مجرد طموح مهني.
أما تحميل الضحايا وحدهم مسؤولية تصديق الوعد، فيتجاهل أن نظام السيسي صنع بيئة يائسة تدفع الشباب إلى المخاطرة بمدخرات أسرهم، بعدما ضاقت فرص العمل الكريم والعيش الآمن داخل بلادهم نفسها.
مافيا تنمو تحت الرقابة
كما أن الخدعة ليست استثنائية أو جديدة، فقد تكررت قضايا العقود الوهمية والتأشيرات السياحية عشرات المرات، ومع ذلك تواصل الكيانات غير المرخصة الإعلان وجمع الأموال ونقل الضحايا عبر الحدود بسهولة.
ولزيادة الإقناع، تستأجر الشركات شققًا مؤقتة وتؤثثها كمقار رسمية، وتعرض أوراقًا منسوبة إلى مؤسسات أجنبية، ثم تطلب رسومًا إدارية وتأمينًا طبيًا قبل الاختفاء وإغلاق الهواتف وترك الضحايا لمصيرهم في الخارج.
علاوة على ذلك، تستخدم بعض الشبكات دولًا وسيطة بحجة استخراج التأشيرة النهائية، ثم تترك الشباب في مطارات أو فنادق بلا أموال، وهي آلية منظمة يصعب تصور استمرارها من دون ثغرات رقابية واسعة.
وفي تفسير عبد الرحيم المرسي، عضو شعبة إلحاق العمالة بالخارج بالغرفة التجارية في القاهرة، تتشكل شبكات الاستغلال بين جهات تستخرج التأشيرات ومكاتب وسماسرة يحصلون على عمولات، ثم يتركون العاطلين يبحثون وحدهم عن العمل.
ومن ناحية أخرى، تشير بيانات أمنية إلى ضبط 25 شركة سياحية ومكتب عمالة غير مرخص في حملة واحدة، ثم إغلاق أكثر من 15 كيانًا آخر، وهي أرقام تدين الرقابة بقدر ما تظهر نشاطها.
إذ إن ضبط هذا العدد دفعة واحدة يعني أن الكيانات عملت وجمعت عملاء وروجت لنفسها قبل مداهمتها، ما يطرح سؤالًا عن سبب تأخر اكتشافها، وعن الجهات التي كان يفترض أن تراجع تراخيصها.
كذلك، كشفت تحقيقات للنيابة العامة عن 59 قضية استيلاء بزعم التوظيف والتسفير، طالت قرابة 250 ضحية ومكنت المحتالين من جمع ملايين الجنيهات، بما يؤكد أن الظاهرة سوق إجرامية وليست حوادث فردية.
وبالتوازي، تكتفي الحكومة غالبًا بتحذير المواطنين بعد انتشار الوقائع، وكأن مهمتها إلقاء اللوم على الضحية، لا مراقبة الإعلانات وملاحقة الوسطاء وفحص الشركات قبل أن تبيع الوهم لعائلات أنهكها الفقر طويلًا.
الفقر والقمع يصنعان الضحايا
وفي ضوء ذلك، لا تبدأ القصة عند إعلان مزيف على وسائل التواصل، بل عند اقتصاد يدفع الشباب إلى اليأس، وسلطة تسد أبواب التعبير والمشاركة، فيصبح الرحيل بأي ثمن حلمًا جماعيًا.
وفي الوقت نفسه، يعلن النظام عن مشروعات ضخمة ومؤشرات نجاح، بينما يعجز شباب كثيرون عن العثور على عمل يضمن الحد الأدنى من الكرامة، فيقترضون ويبيعون ممتلكات أسرهم مقابل فرصة قد تكون سرابًا.
وفوق ذلك، يضاعف القمع السياسي الإحساس بانسداد المستقبل، فالشاب لا يواجه أزمة دخل فقط، بل يعيش داخل دولة تحاصر المجال العام وتجرم الاحتجاج، بينما تطالبه بالصبر على الفقر والغلاء المتصاعد.
ومن جانبه، يؤكد المحامي أشرف عباس، المتخصص في القضايا العمالية، أن ختم عقد العمل من وزارة العمل ضرورة لحماية العامل، محذرًا من أن السفر بتأشيرة زيارة يترك الضحية بلا ضمانات قانونية.
وبناءً على ذلك، كان واجب الحكومة ألا تنتظر وصول الشباب إلى طشقند، بل أن تفرض تدقيقًا واضحًا على الشركات والإعلانات والعقود، وأن تتيح للناس وسيلة سريعة ومجانية للتحقق قبل دفع الأموال.
غير أن الإجراءات اللاحقة لا تجيب عمن سيعيد الأموال إلى الضحايا، ولا تكشف أسماء المتهمين أو الشركات المتورطة، ولا توضح ما إذا كانت التحقيقات ستصل إلى المسؤولين الذين سمح تقاعسهم باستمرار النشاط.
ولهذا، فإن حماية الشباب لا تتحقق ببيان تحذيري أو تذكرة عودة، وإنما بمحاسبة المحتالين ومعلنيهم، ونشر قوائم الشركات المرخصة، وتعويض الضحايا، وتوفير فرص عمل حقيقية داخل مصر بأجور تحفظ الكرامة.
وبخلاف ذلك، يعني استمرار السياسات نفسها أن مافيا التسفير ستجد ضحايا جددًا كل يوم، لأن من يهرب من الفقر والقمع قد يتعلق بأي وعد، مهما كانت علاماته مريبة أو مخاطره واضحة.
ختامًا، أعادت الخارجية 12 مصريًا من أوزبكستان، لكن القضية لن تنتهي عند بوابة المطار، فالمسؤولية تبدأ من حكومة تركت شركات النصب تعمل، ونظام جعل الهروب من جحيمه أغلى أحلام الشباب.

