فرضت مصلحة السجون الإسرائيلية قواعد جديدة مشددة على زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر للأسرى الفلسطينيين، رغم حكم المحكمة العليا في يونيو 2026 بعدم قانونية الحظر الشامل الذي استمر منذ أكتوبر 2023. وتحوّل القرار القضائي الذي كان يفترض أن يعيد الرقابة الإنسانية على أوضاع أكثر من 9 آلاف أسير ومعتقل إلى وصول محدود ومحكوم بقوائم مسبقة ولقاءات قصيرة ومنع لفئات واسعة من الزيارة، بما يبقي السجون ومراكز الاحتجاز بعيدة عن الرقابة المستقلة الفعلية.

 

وتكشف الإجراءات الجديدة أن سلطات الاحتلال لا تتجه إلى تنفيذ جوهر الحكم، بل إلى الالتفاف عليه بإعادة الزيارات في صورة شكلية لا تسمح للصليب الأحمر بالتواصل الحر مع الأسرى أو التحقق المستقل من أوضاعهم الصحية والمعيشية. ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الشهادات والتقارير عن الضرب والتجويع والإهمال الطبي والعنف الجنسي والوفيات داخل أماكن الاحتجاز، ما يجعل الوصول المستقل ضرورة لحماية حياة المعتقلين وليس امتيازًا يمكن إخضاعه لحسابات وزير أو ضابط سجن.

 

حكم قضائي بلا تنفيذ

 

أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية حكمًا بالإجماع في مطلع يونيو 2026، قررت فيه أن السياسة الحكومية التي منعت الصليب الأحمر من زيارة المعتقلين الفلسطينيين خالفت القانون الإسرائيلي والقانون الدولي، وأن الحكومة لم تقدم أساسًا قانونيًا واضحًا لاستمرارها. وكانت الزيارات قد توقفت بالكامل بعد اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، للمرة الأولى منذ أكثر من 50 عامًا.

 

وجاء الحكم بعد التماس قدمته منظمات حقوقية إسرائيلية منذ فبراير 2024، بينها جمعية حقوق المواطن وأطباء لحقوق الإنسان وهموكيد وغيشا. وطلبت الدولة 27 تمديدًا قبل نظر القضية، ما سمح باستمرار العزل لأكثر من عامين ونصف العام، رغم تراكم الشهادات بشأن الانتهاكات داخل السجون.

 

لكن مصلحة السجون، برئاسة مفوضها كوبي يعقوبي، وضعت قواعد مؤقتة لمدة ستة أشهر تقيد التنفيذ بصورة واسعة. ووفق التفاصيل المنشورة، حُددت الزيارة بمرة واحدة كل ثلاثة أشهر، مع مطالبة اللجنة بتقديم قائمة مسبقة لا تضم أكثر من 5 أسرى، ومنح قائد مركز الاحتجاز سلطة تقليص مدة اللقاء التي لا تتجاوز أصلًا 30 دقيقة.

 

وتعني هذه الآلية أن زيارة آلاف المعتقلين ستستغرق سنوات إذا التزمت اللجنة بالقوائم المحدودة، كما تمنح إدارة السجن قدرة عملية على اختيار من يراه المندوبون ومتى يزورونهم وكم تستمر المقابلة. وبدل أن يكون الصليب الأحمر جهة مستقلة تحدد أولوياتها وفق الحالات الصحية وشكاوى الأسر، يصبح وصوله خاضعًا لإذن الجهة التي يفترض أن يراقب أداءها.

 

كما تمنع القواعد الزيارات عن المصنفين إسرائيليًا ضمن فئة شديدي الخطورة، وعن الأسرى الموضوعين في العزل الانفرادي أو الخاضعين للتحقيق. وهذه هي الفئات الأكثر حاجة إلى رقابة خارجية، بسبب عزلها عن الأسر والمحامين، وارتفاع مخاطر التعذيب وسوء المعاملة أثناء التحقيق أو العقوبات الانفرادية.

 

رقابة شكلية خلف الحواجز

 

تلزم القواعد مندوبي الصليب الأحمر بإجراء المقابلات من خلف حاجز فاصل وعبر جهاز اتصال داخلي، بدل اللقاء الفردي والخاص الذي يتيح للأسير الحديث بحرية عن ظروف احتجازه أو عرض إصاباته ومشكلاته الطبية. ويقوض ذلك أحد أهم شروط الزيارة الإنسانية، وهو سرية المقابلة بعيدًا عن أعين السجانين وتأثيرهم.

 

وأكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بعد الحكم استعدادها لاستئناف العمل، مشددة على أن الوصول إلى المعتقلين والقدرة على مقابلتهم على انفراد من الالتزامات التي يفرضها القانون الدولي. إلا أن القواعد الجديدة تفصل بين فتح بوابة السجن وبين السماح برقابة حقيقية، فتمنح الزيارة اسمها وتحرمها أدواتها الأساسية.

 

وتفرض السلطات كذلك تفتيشًا أمنيًا صارمًا على الوفود، مع حظر الهواتف وأجهزة التسجيل والحواسيب والأجهزة اللوحية والكاميرات والساعات الذكية ومعدات الاتصال. ورغم إمكانية تبرير بعض إجراءات التفتيش داخل السجون، فإن المنع الشامل يثير مخاوف من إعاقة التوثيق المنظم ونقل المعلومات الطبية والقانونية المتعلقة بالمعتقلين.

 

وتزداد خطورة القيود لأن الحظر السابق قطع كذلك نقل المعلومات إلى العائلات بشأن أماكن احتجاز أبنائها وأوضاعهم. وقد كانت الزيارات، قبل الحرب، وسيلة أساسية لإبلاغ الأسر بمكان المعتقل وحالته الصحية، خصوصًا معتقلي غزة الذين اختفى عدد منهم داخل مراكز عسكرية مغلقة.

 

كما أن إصدار القواعد من دون استشارة المستشارة القضائية للحكومة غالي بهاراف ميارا يعكس محاولة للتعامل مع الملف باعتباره شأنًا أمنيًا داخليًا، رغم ارتباطه المباشر بالقانون الدولي الإنساني وقرارات المحكمة وحقوق آلاف الأسر في معرفة مصير أقاربها.

 

تعذيب خلف جدار الصمت

 

لا يمكن فصل التضييق على الصليب الأحمر عن التحول الذي شهدته السجون منذ تولي إيتمار بن غفير وزارة الأمن القومي نهاية 2022، ثم اندلاع حرب غزة. فقد وثقت جهات حقوقية وأممية شهادات عن التجويع والضرب والعزل والإهمال الطبي والعنف الجنسي، بينما أدى غياب الرقابة الخارجية إلى صعوبة التحقق السريع ومحاسبة المسؤولين.

 

وكان معتقل سدي تيمان من أبرز رموز هذه الانتهاكات، بعدما اتُهم جنود في 2024 بضرب أسير فلسطيني والاعتداء عليه جنسيًا، ما تسبب له بكسور في الضلوع وثقب استدعى جراحة. وأظهرت تسجيلات مسربة جنودًا ملثمين وهم يقتادون الأسير إلى منطقة حُجبت بالدروع، قبل أن يقرر الجيش في مارس 2026 إسقاط التهم عن خمسة جنود.

 

ورأت منظمات حقوقية أن إسقاط التهم يمثل تكريسًا للإفلات من العقاب، بينما رحب بنيامين نتنياهو بالقرار. وتكشف الواقعة أن منع الرقابة لا يحمي الأمن، بل يحمي بيئة يمكن أن تقع فيها انتهاكات بالغة الخطورة ثم تُغلق ملفاتها بذريعة نقص الأدلة أو تعذر إحضار الضحية للشهادة.

 

وتشير المصادر الحقوقية إلى وجود أكثر من 9 آلاف أسير أمني فلسطيني في السجون والمراكز العسكرية، بينهم معتقلون إداريون وأطفال ونساء. ولا تستطيع الأسر في كثير من الحالات زيارتهم أو الحصول على معلومات منتظمة، فيما سجلت السنوات الأخيرة ارتفاعًا كبيرًا في الوفيات داخل الاحتجاز وشهادات واسعة عن سوء التغذية وفقدان الوزن والحرمان من العلاج.

 

وفي المحصلة، لا تمثل القواعد الجديدة استجابة حقيقية لحكم المحكمة، بل صيغة جديدة لاستمرار العزل تحت غطاء قانوني. فزيارة كل ثلاثة أشهر لخمسة أسرى، خلف حاجز وتحت سلطة إدارة السجن، لا توفر رقابة ولا حماية ولا تواصلًا إنسانيًا جادًا.

 

وإذا كانت إسرائيل تزعم احترامها للقانون، فعليها السماح للصليب الأحمر بالوصول المنتظم إلى جميع المعتقلين، وإجراء مقابلات خاصة، وفحص الحالات الصحية، ونقل المعلومات إلى الأسر، من دون استثناءات أمنية فضفاضة. أما تحويل الحكم إلى إجراءات شكلية، فيعني أن السجون ستظل مساحة مغلقة أمام الشهود، وأن آلاف الفلسطينيين سيواصلون مواجهة التعذيب والإهمال والعزلة بعيدًا عن أعين العالم.