علي القره داغي
رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
تُظهر النظرة الفاحصة إلى أحوال العالم اليوم صورة شديدة الوضوح؛ فالعالم المتقدم علميًا وتقنيًا واقتصاديًا وعسكريًا يعاني من مشاكل كبيرة نفسيا وروحيا: من سيولة كاملة في المبادئ والأخلاق. بل إن القوانين الأممية التي أُقرت، ومبادئ الحرية والإنسانية التي رفعها الغرب طويلًا، قد كشف حقيقتها طوفان الأقصى، وفضحتها أحوال غزة طوال عامين كاملين، إذ لم يظهر عمل حقيقي بهذه المبادئ عند أولئك الغربيين الذين رفعوا تلك الشعارات، واستغلوها حتى في احتلال البلاد والعباد، وانبهر بها الشباب، بل حتى بعض العلماء والمفكرين، ودعوا إلى تقليدهم تقليدًا كاملًا.
وليست هذه السيولة واقفة عند حدود المبادئ السياسية أو القوانين الدولية، بل امتدت إلى ثوابت الإيمان والفطرة والأسرة، فضلًا عن الخواء الروحي، وتفشي الأمراض النفسية، واضطراب المعنى في حياة الإنسان.
وفي المقابل، يعاني عالمنا الإسلامي من مشكلات أخرى لا تقل خطورة، منها مشكلة التفرق التي بلغت النخاع، والخلافات العميقة والخطيرة حتى بين الدعاة والحركات الإسلامية، إضافة إلى مشكلات التخلف، والفقر، والبطالة، والمرض، ونحوها في معظم بلاد المسلمين.
تبرز أمام الأمة الإسلامية قضيتان كبيرتان لا يمكن تجاوزهما: قضية التخلف الحضاري، وقضية الفرقة الداخلية. وهما قضيتان تحتاجان إلى نظر عميق في ضوء الوحي الصحيح، والعقل المستنير، وتجارب الأمة في تاريخها الطويل.
أولًا: لماذا وصلت الأمة الإسلامية إلى ما وصلت إليه؟
لقد شهد الله تعالى لهذه الأمة بالخيرية، فقال سبحانه: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" (آل عمران: 110). ويبرز السؤال الكبير: كيف وصلت الأمة التي شهد الله لها بالخيرية إلى ما وصلت إليه من ضعف وتراجع وتخلف؟
إن الجواب عن هذا السؤال، من الجانب الفكري، يعود إلى أن الأمة في عصر الرسالة كانت تسير على خطى رسول الله ﷺ، وعلى منهج الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، في الالتزام الكامل بمنهج الإسلام الذي أقره القرآن الكريم، حيث قال تعالى: "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا" (المائدة: 48).
وهذا المنهاج الإسلامي يجمع بين نور الوحي ونور العقل، وهما كفّتا ميزان الاستخلاف الذي يمثل المقصد الأسمى من خلق الإنسان. فهو يجمع بين كفة التدين الصحيح الشامل للظاهر والباطن، وكفة العمران النافع القائم على الابتكارات والإبداعات.
وقد كان رسول الله ﷺ أعظم مثال في الجمع بين هذين الأصلين؛ فقد كان يتوكل على الله حق التوكل، ومع ذلك يأخذ بالأسباب كلها. ففي هجرته مع الصديق رضي الله عنه لم يترك سببًا ولا أمرًا يمكن أن يُستفاد منه إلا وقد أخذ به؛ فترك عليًا رضي الله عنه في مكان فراشه، وخرج من الباب الخلفي، واتجه اتجاهًا معاكسًا لاتجاه المدينة، ورتب من يأتي لهما بالطعام، وجعل راعيًا يمر بالغنم ليمحو آثار الأقدام، واستعان بدليل خِرِّيت لإيصالهما إلى المدينة، وكذلك بمن ينقل إليه أخبار قريش.
وكذلك أخذ الرسول ﷺ بجميع المشاورات والتجارب والعلوم المجربة في غزواته، كما وقع في بدر والخندق، بل استعان بمن يُخَذِّل عنه. وعلى هذا النهج سار الخلفاء الراشدون، وسار كذلك الناجحون من الخلفاء والسلاطين الذين بذلوا جهودًا عظيمة في تحقيق الحضارة والتقدم العلمي.
ومن أجل ذلك كان الخط العلمي المتعلق بالعلوم المرتبطة بالعمران والحضارة يسير بقوة إلى جانب خط العلوم المتعلقة بالتفسير والحديث والفقه ونحوها. فكما ظهر الأئمة الكبار في الفقه والتفسير والحديث، ظهر كذلك علماء مبدعون عظام في الرياضيات، والجبر، والطب، وغيرها من العلوم النافعة.
وبسبب هذا الجمع بين الوحي والعقل، وبين التدين والعمران، تحققت حضارة إسلامية جامعة شاملة، معتمدة على الوحي والعقل معًا. غير أنه بعد القرن الرابع الهجري أصاب الأمة شيء من الخمول والجمود، ودخل نوع من الرهبنة الفكرية في فكر عامة الناس، ثم تحولت هذه الحالة بالتدريج إلى ثقافة مؤثرة عطلت حركة الأمة في التقدم وبناء الحضارة.
ويدل على غياب فقه الميزان أنه لو سُئل معظم المسلمين عن معنى العبادة، لأجاب غالبهم بأنها عبارة عن أداء الشعائر الصرفة فقط، في حين أن العبادة في حقيقتها شاملة لكل ما يتعلق بالدين والدنيا. ولو سُئلوا عن العلوم الشرعية، لأجابوا بأنها علوم التفسير والحديث والفقه ونحوها، في حين أنها شاملة لجميع العلوم النافعة، لأنها تدخل في دائرة الفرض أيضًا بحسب حاجة الأمة إليها.
وحسب فقه الميزان يظهر أن الطريق الوحيد أمام الأمة الإسلامية هو السعي إلى تحقيق مقصد الله تعالى من خلق الإنسان، وذلك بتحقيق التدين الصحيح الكامل، والعمران النافع الشامل، بالاعتماد على الوحي الصحيح للهداية والإرشاد وبيان الأحكام، وربط الأمور بالإيمان والأخلاق، وبالاعتماد كذلك على العقل المستضيء بنور الله تعالى، وما يتبعه من الحواس والتجارب، من أجل تعمير الكون بالعلم والإبداع والابتكار.
وفق فقه الميزان فإن في هذه القضية أن من أهم أسباب تخلف الأمة عدم العناية المطلوبة بالعقل ومقتضياته، بجانب الوحي الذي هو الكفة الأعظم. فحين اختل هذا الميزان، وضعف الاهتمام بالعمران النافع، تراجعت الأمة حضاريًا، وانحسر عطاؤها في ميادين العلم والإبداع والبناء.
ثانيًا: لماذا بلغ الخلاف والفرقة في الأمة هذا الحد؟
أما السؤال الثاني، فهو سؤال لا يقل خطورة عن الأول: لماذا وصل الخلاف والفرقة في الأمة إلى هذا المستوى العميق، حتى بلغ النخاع؟ لقد ربط الله تعالى الفشل بالتنازع، فقال سبحانه: "وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ" (الأنفال: 46).
وهذا النص القرآني يقرر قاعدة واضحة: أن التنازع سبب مباشر للفشل، وذهاب القوة، وضياع الهيبة. وقد تحقق ذلك في واقع الأمة حين غلبت الخلافات، وتعمقت الفرقة، وضعفت معاني الاعتصام والوحدة.
والخلاف بين المسلمين نوعان رئيسان:
النوع الأول: الخلاف الناتج عن المؤامرات الخارجية والأهواء السياسية. فهناك نوع من الخلاف يعود إلى المؤامرات الخارجية، كما بين القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ" (آل عمران: 100).
ومعنى قوله تعالى: "بَعْدَ إِيمَانِكُمْ" أي بعد وحدتكم، ومعنى "كَافِرِينَ" أي متفرقين؛ فالآية تدل بوضوح على دور أعداء الإسلام في التفرقة بين المسلمين. ولذلك حذرهم الله تعالى من هذا المسلك، ووضع لهم طريقًا واضحًا لمنع هذا الخلاف، يتمثل في التقوى الحقة، ورقابة الله الدائمة، والاعتصام بحبل الله المتين، والتذكير بخطورة الفرقة وآثارها، ثم الأمر بغرس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير والصلاح والإصلاح في قلوب الأمة جميعًا، مع وجود طائفة قائمة على هذا الأمر.
وأكثر الخلافات السياسية تعود إلى هذا الجانب، أو إلى الأهواء والشهوات التي تضعف الإيمان، وتمزق الصف، وتجعل الأمة فريسة سهلة لأعدائها.
النوع الثاني: الفرقة الناتجة عن الخلافات العقدية والفكرية؛ وهي التي أدت إلى ظهور مجموعة من الفرق الإسلامية، بدءًا من الخوارج، وصولًا إلى الفرق الفكرية والعقدية في عصرنا الحاضر.
وهذا النوع من الخلاف هو المقصود بالمعالجة هنا؛ إذ إن الخلاف بين هذه الفرق يعود في أصله إلى الخلل في الموازين، والخلط بينها، أو عدم معرفتها معرفة صحيحة. فحين تغيب الموازين المنضبطة بالوحي والعقل، وحين تختلط مراتب القضايا، وتضطرب مناهج الفهم والاستدلال، تتولد الفرق، وتتسع هوة الخلاف، وتتحول المسائل الفكرية والعقدية إلى أسباب للتمزق والاحتراب بدل أن تكون مجالًا للبيان والبحث والرجوع إلى الحق.
ومن ثم فإن معالجة هذه الفرقة لا تكون بالشعارات العامة، ولا بمجرد الدعوة العاطفية إلى الوحدة، وإنما تكون بإعادة بناء الموازين الصحيحة، والتمييز بين الثوابت والمتغيرات، وبين القطعي والظني، وبين ما يسوغ فيه الخلاف وما لا يسوغ، وردّ الأمة إلى منهج الوحي الصحيح، والعقل المستنير، والتجربة الراشدة.
فقه الميزان
إن أزمة الأمة الإسلامية ليست أزمة واحدة، بل هي أزمة مركبة؛ فمن جهة، هناك خلل في ميزان الوحي والعقل، أدى إلى ضعف التدين الشامل والعمران النافع، ومن جهة أخرى، هناك خلل في ميزان الوحدة والاختلاف، أدى إلى الفرقة، والتنازع، وذهاب الريح.
ولا سبيل إلى النهوض إلا بالعودة إلى مقصد الاستخلاف الذي خلق الله الإنسان من أجله، وذلك بتحقيق التدين الصحيح الكامل، والعمران النافع الشامل، والاعتصام بحبل الله، ومقاومة أسباب الفرقة، سواء جاءت من مؤامرات خارجية، أو من أهواء سياسية، أو من انحرافات فكرية وعقدية.
فالأمة التي جمعت في بداياتها بين نور الوحي ونور العقل، وبين الإيمان والعمل، وبين العبادة والعمران، استطاعت أن تقدم للعالم حضارة جامعة. ولن تستعيد هذه الأمة دورها إلا إذا استعادت هذا الميزان، وعرفت أن الوحي هو الهداية العليا، وأن العقل المستنير بنور الله أداة العمران، وأن الوحدة ليست ترفًا، بل شرط من شروط القوة والبقاء والشهود الحضاري.

