طلال أبو غزالة

رجل أعمال أردني، خبير في المعلوماتية والملكية الفكرية

 

عديدةٌ أسئلة المستقبل المعرفي العربي، أهمها التغيير الذي يتسلل إلى تفاصيل حياتنا ليعيد تعريف ما تعنيه المعرفة نفسها.

 

قبل عقود مضت، كانت الشهادة الجامعية مفتاح عبور يؤدّي وظيفة واضحة، أن تمنح صاحبها مكانة اجتماعية وتضعه في مسار وظيفي، رتيب أحيانًا بحيث يمكن التنبؤ به إلى حد كبير، خصوصًا في مؤسّسات القطاع العام ومسارات العمل الحكومي. كان هذا جيدًا حينها وفي وقته، لكن هذا العقد الاجتماعي، إن جاز التعبير، تآكل بصمت على وقع ازدياد العرض وقلة الطلب، فالمؤسّسات التي كانت تستوعب مخرجات التعليم التقليدي لم تعد تعمل بالمنطق نفسه. هناك الأتمتة، والبرمجة التفاعلية المسمّاة الذكاء الاصطناعي، والتحوّل الرقمي السريع، وكلها عوامل أعادت وتعيد تشكيل طبيعة المعرفة والتعليم والعمل من الأساس، لا من الهامش، وهو أشبه ما يكون بحال جهاز الفاكس قبل 25 عامًا، حين كان أداة متطوّرة لإرسال الرسائل واستقبالها بفورية فاقت البريد بأميال، واختفى على وقع ثورة المعلومات والإنترنت.

 

ولان التعليم هو الأساس في المعرفة، لا بد أن يواكب هذه المتغيرات السريعة التي أخذت مساحة لم يكن متوقعًا أنها ستصل إليها بهذه السرعة، غير أن المشهد العربي في بعض جوانبه لا يشي بالمواكبة المطلوبة... أنظمة تعليمية كاملة من مدارس وجامعات ومعاهد، ما زالت تدار بالطريقة نفسها: حضور وجاهي للطالب حفظ وتلقين وامتحان، ثم نجاح وشهادة، ثم يأتي سؤال الحقيقة والمعرفة في سوق عمل لا يشبه ما درسه تقريبًا.

 

هذه ليست مبالغة، بل تجربة يومية يعرفها كل بيت وكل خرّيج جديد يصطدم أول مرة بسؤال بسيط: "ماذا أفعل الآن؟".

 

تقول المؤسّسات الدولية إن نصف المهارات المطلوبة اليوم ستتغير خلال سنوات قليلة، قد يبدو الرقم كبيرًا، لكنه في الواقع أقل أهمية من المعنى نفسه: ما تتعلمه اليوم لن يبقى صالحًا طوال حياتك المهنية، وهذه هي النقطة التي يجب أن نستوعبها بالشكل الكافي، خصوصًا أننا نراها أمامنا كل يوم. والمشكلة ليست في التكنولوجيا وحدها، بل في طريقة تعاملنا معها، فما زلنا نفكر بمنطق أن التعليم مرحلة تنتهي: تدرس، تتخرج، ترتاح، بينما العالم يعيش فكرة مختلفة تمامًا: التعلم لا يتوقف، ولا يوجد نهاية رسمية للمعرفة.

 

سأضرب مثالًا بسيطًا على أعمال ومهام كثيرة كانت تحتاج موظفين مبتدئين، وكيف أصبحت تُنجز اليوم بأدواتٍ رقميةٍ بسيطة وسريعة. وهذا لا يعني أن الوظائف اختفت، لكنها تغيّرت في طبيعتها، لذا لم يعد المطلوب تنفيذ خطوات محفوظة، بل فهم طريقة عمل النظام نفسه، والتعامل مع أدوات تتبدّل كل ارتداد طرف تقريبًا. وأحيانًا، لا يكون الاستبدال والإحلال سريعًا، بل يتراجع تدريجيًّا، من دون أن يشعر المرء. وهنا يظهر الفارق الحقيقي بين من يتعامل مع الشهادة غايةً، ومن يتعامل مع المهارة مسارًا مستمرًّا.

 

لدينا في العالم العربي مشكلة إضافية لا يمكن تجاهلها، أن البطالة بين الشباب ليست مشكلة اقتصادية، بل أيضًا مشكلة مهارات، فكثيرون من أبنائنا الخرّيجين لا يدخلون السوق، لأن السوق نفسه تغيّر، وهم بقوا في مكانهم الأول، والأسوأ أن بعضهم لا يدرك هذا إلا بعد سنوات ضائعة بين محاولات التوظيف وانتظار الفرصة.

 

لا أميل بطبعي إلى التشاؤم في أي أمر، والصورة ليست مظلمة بالكامل، فهناك أمرٌ مهم يحدث تحت السطح. هناك جيل كامل بدأ يتعلم خارج النظام التقليدي، يتعلم من الإنترنت، من التجربة، من العمل الحرّ، من المحاولة والخطأ. ولا ينتظر هذا الجيل الجامعة والشهادة فقط، بل يصنع مساره الخاص، أحيانًا بسرعة تفوق ما تقدّمه المؤسّسات، وهذه نقطة قوة حقيقية إذا عرفنا كيف نبني عليها، بدل أن نتجاهلها أو نقلل من قيمتها.

 

وفي المقابل، لا نطلب من الجامعات أن تتحوّل إلى شيءٍ آخر تمامًا، بل أن تعترف بأن دورها تغيّر فعلًا، وأنها لم تعد المصدر الوحيد للمعرفة، ولم تعد كافيةً وحدها لسوق عمل متغيّر، فالمطلوب منها بالدرجة الأولى أن تركّز على مهارات التفكير، لا على الحفظ وعلى حل المشكلات، لا على إعادة إنتاج الإجابات وعلى إيجاد بيئة تسمح للطالب بأن يخطئ ويتعلم، بدل أن يُكافأ فقط على قدرته على التذكّر. وهناك أيضًا مسؤولية لا يمكن تجاهلها، تقع على الشباب أنفسهم، فمن أراد أن يثبت نفسه، فعليه أن يتعلّم باستمرار، أن يجرّب، أن يخطئ، أن يغيّر مساره أكثر من مرّة، من دون خوف مبالغ فيه من الفشل، فالفشل لم يكن يومًا نهاية، بل جزءًا طبيعيًا من دورة التعلم.

 

إذن، تغيّرت المعادلة ببساطة، والشهادة لم تعد ضامنة أو حصنًا يمكن الركون إليه، وإن لم تفقد قيمتها ومكانتها طبعًا، لكن ما فقد قيمته هو الاعتماد عليها وحدها، وكأنها كافية لتأمين مستقبل طويل.

 

نحن أمام مرحلة انتقالية صعبة، لا القديم انتهى بالكامل، ولا الجديد استقر تمامًا، وهذا بالضبط ما يجعل اللحظة مربكة، لكنها أيضًا لحظة صادقة، تكشف الفجوة بين ما ندرّسه وما يطلبه العالم فعليًّا.

 

ربما حين تقفز أسئلة المستقبل المعرفي العربي، فإن السؤال الحقيقي لم يعد "ماذا درستَ؟"، بل "ماذا تستطيع أن تفعل عندما يتغير كل شيء حولك؟"، وهذا سؤال لا تجيب عنه الشهادة وحدها، بل التجربة، والمرونة، والاستعداد الدائم لإعادة التعلّم من البداية من دون تردّد.