يؤكد جون بالارد، أستاذ علم النفس الفخري، أن إحدى أكثر الأفكار انتشارًا في علم النفس الحديث تستند إلى تصور غير دقيق؛ إذ لم يرسم عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو ما يعرف اليوم بـ"هرم ماسلو للاحتياجات"، ولم يستخدم هذا الشكل في عرض نظريته الشهيرة عن الدوافع الإنسانية. ويرى الكاتب أن هذا التصور البصري أسهم في ترسيخ مفاهيم خاطئة حول نظرية ماسلو، رغم انتشارها الواسع في المدارس والجامعات وبرامج التدريب والإدارة.

 

ويشير تقرير سايكولوجي توداي إلى أن نظرية هرم ماسلو تُدرَّس في مختلف المراحل التعليمية، بينما تخلو كتابات ماسلو الأصلية من أي إشارة إلى هرم أو مثلث يوضح تسلسل الاحتياجات، وهو ما دفع عددًا من الباحثين إلى إعادة فحص أصول هذا الرسم الشهير.

 

ماسلو لم يرسم الهرم قط

 

يروي الكاتب أنه اطّلع منذ سنوات دراسته الأولى على مؤلفات ماسلو الأصلية، ولاحظ وجود اختلاف واضح بين النصوص الأصلية وما تضمنته الكتب الدراسية من شروح مبسطة. وفي عام 2016 تعاون مع الباحثين تود بريدجمان وستيف كامينجز لإجراء دراسة تاريخية تتتبع أصل "هرم ماسلو"، بهدف تصحيح المفاهيم الشائعة حول النظرية.

 

وبعد مراجعة أرشيف ماسلو المحفوظ في مركز تاريخ علم النفس بجامعة أكرون، لم يعثر الفريق على أي رسم أو مخطوط يشير إلى أن ماسلو ابتكر الهرم. كما سبق أن توصلت الباحثة سارة إلين إيتون إلى النتيجة نفسها بعد مراجعة أعماله الأصلية، مؤكدة أن الرسم المتداول لا يعود إليه.


لماذا يسيء الهرم فهم النظرية؟

 

يوضح الكاتب أن الشكل الهرمي يوحي بوجود تسلسل صارم للاحتياجات، بينما تؤكد نظرية ماسلو أن الإنسان تحركه عدة احتياجات في الوقت نفسه، ولا ينتقل بالضرورة من مستوى إلى آخر بصورة خطية.

 

وأشار ماسلو إلى أن السلوك الإنساني ينشأ غالبًا عن تفاعل أكثر من حاجة أساسية في آن واحد، كما يمكن أن يشعر الفرد بإشباع جزئي وعدم إشباع جزئي للاحتياجات المختلفة في الوقت نفسه. كذلك لا تعد حاجة تحقيق الذات غاية نهائية أو هدفًا عالميًا لدى جميع الثقافات، وقد يختلف ترتيب الاحتياجات بين الأشخاص تبعًا للظروف والخلفيات الثقافية.

 

ويضيف الكاتب أن المستوى الثالث في النظرية لا يحمل اسم "الاحتياجات الاجتماعية" كما يشيع في كثير من الرسوم التوضيحية، بل يشير إلى احتياجات الانتماء والمحبة. كما شدد ماسلو على أهمية توافر شروط أساسية تسمح بإشباع الاحتياجات، مثل حرية التعبير، والعدالة، والصدق، وحرية البحث عن المعرفة، والدفاع عن النفس، وهي عناصر غالبًا ما يغفلها الشكل الهرمي.

 

العودة إلى المصادر الأصلية

 

خلص الباحثون إلى أن الهرم لا يعكس بدقة الفكرة التي طرحها ماسلو، واقترحوا أن يمثل السلم النظرية بصورة أفضل، لأنه يسمح بتداخل مستويات الاحتياجات، بحيث يقف الإنسان على أكثر من درجة في الوقت نفسه، وهو ما يتوافق مع طبيعة الدوافع الإنسانية كما وصفها ماسلو.

 

ونشرت مجلة Academy of Management Learning & Education عام 2019 الدراسة التي تناولت تاريخ ظهور هرم ماسلو وآثاره في تدريس الإدارة، وحظيت الدراسة بانتشار واسع، إلا أن كثيرين ما زالوا يربطون النظرية بالشكل الهرمي دون الرجوع إلى النصوص الأصلية.

 

ويختتم الكاتب بالتأكيد على أهمية التفكير النقدي عند دراسة النظريات العلمية، داعيًا إلى مراجعة المصادر الأصلية والتحقق من الاقتباسات وعدم الاكتفاء بما تنقله الكتب أو المواقع الإلكترونية، لأن الأفكار قد تتغير أو تُبسَّط مع مرور الوقت بصورة تبتعد عن مضمونها الحقيقي، كما حدث مع نظرية ماسلو التي بقيت أكثر عمقًا ومرونة مما يوحي به "الهرم" الشهير.

 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/expanding-our-potential/202606/misconceptions-about-maslows-pyramid