كشفت شكاوى قرية تونا الجبل التابعة لمركز ملوي بمحافظة المنيا مأساة 370 أسرة من شباب الخريجين، بعدما تعطل مشروع تسليم الأراضي والمنازل منذ عام 2009، فتحولت وعود التعمير إلى خرابة منهوبة ومستقبل معلق.

 

وتكشف الواقعة وجهًا قاسيًا لإدارة لا تحاسب نفسها، حيث يدفع الشباب ثمن دولة تعلن مشروعات قومية ثم تتركها للسرقة والتآكل، بينما تتحول أحلام السكن والعمل إلى انتظار مذل أمام أبواب المسؤولين.

 

مشروع بدأ بالحلم وانتهى بالخراب

 

في البداية، سدد الخريجون مبالغ جدية التعاقد أملاً في الحصول على 5 أفدنة ومنزل لكل منتفع داخل مشروع قرية تونا الجبل الجديدة، لكن السنوات مضت دون تسليم فعلي أو تمكين حقيقي.

 

وبحسب المتضررين، لم يكن التأخير إداريًا عابرًا، بل تجميدًا طويلًا لمشروع كان يفترض أن يخلق مجتمعًا زراعيًا وعمرانيًا جديدًا، فإذا به يتحول إلى عنوان للخذلان الرسمي وفشل المتابعة.

 

كما أن المنازل التي جرى تشييدها لم تتحول إلى سكن للأسر، بل بقيت خاوية على عروشها، معرضة للنهب والتخريب، بعدما غابت الحراسة وانقطعت الرقابة عن موقع يفترض أنه مشروع تنموي.

 

ومن ثم، امتدت يد السرقة إلى الأبواب والشبابيك ومكونات المرافق، ثم وصلت إلى أعمدة وكابلات الكهرباء، بما يكشف أن الإهمال لم يوقف التسليم فقط، بل سمح بتصفية المشروع ميدانيًا.

 

غير أن الأخطر أن المشروع ظل حاضرًا في خطابات المسؤولين وغائبًا عن حياة المنتفعين، حيث تكررت الوعود الشفهية والقرعات العلنية دون أن يحصل الشباب على أرض يزرعونها أو بيت يسكنونه.

 

لذلك، صارت القرعات في نظر الأهالي مجرد إجراءات شكلية، لا تنتج حقًا ولا ترد مظلمة، بل تجدد الإحباط وتطيل عمر الأزمة، بينما تبقى الأسر معلقة بين الورق والواقع.

 

وبينما طرق المتضررون أبواب مجلس الوزراء ووزارة التنمية المحلية ومحافظة المنيا، ظل الملف يدور في حلقة مغلقة، دون قرار تنفيذي نهائي يضع حدًا لمعاناة استمرت أكثر من 17 عامًا.

 

أموال جديدة ووعود قديمة

 

في المقابل، أعاد تولي اللواء عماد كدواني منصب محافظ المنيا فتح باب الأمل أمام المتضررين، بعدما صدرت توجيهات بتحريك الملف المتوقف، لكن الأمل بقي مشروطًا بالتنفيذ لا بالتصريحات.

 

وعلى الرغم من ذلك، بادر الشباب بسداد مبالغ جديدة بلغت 18,750 جنيهًا كجدية تعاقد ثانية، إضافة إلى رسوم أخرى لهيئة المساحة، لإعادة التدقيق واستكمال إجراءات التخصيص المطلوبة.

 

وبالتالي، دفع الخريجون ثمن المشروع مرتين، مرة حين حلموا بالتعمير عام 2009، ومرة حين اضطروا لإثبات الجدية من جديد، بينما لم تدفع الجهة المسؤولة ثمن تعطيل عمر كامل.

 

كما أن الحديث الرسمي عن الرفع المساحي لأرض المشروع، البالغة نحو 2000 فدان، لا يكفي وحده لإنهاء الأزمة، لأن المشكلة لم تكن يومًا في مساحة الأرض بل في غياب القرار.

 

وفي هذا السياق، أجرى نائب محافظ المنيا زيارة ميدانية لموقع المشروع تمهيدًا لتقسيم الأراضي وتحديد الإحداثيات، والبدء في إجراءات التخصيص لعدد 369 منتفعًا ممن تقدموا بطلباتهم منذ عام 2008.

 

بناءً على ذلك، يبدو الفرق بين رقم 370 أسرة ورقم 369 منتفعًا في الخطاب الرسمي مؤشرًا يحتاج توضيحًا، لأن حقوق الناس لا يجوز أن تضيع داخل اختلافات إدارية مبهمة.

 

علاوة على ذلك، يتحدث المسؤولون عن زراعة موحدة لمحصول بنجر السكر، بإنتاج مقدر يبلغ 60 ألف طن بنجر و10 آلاف طن سكر خام، لكن هذه الأرقام تبقى بلا قيمة قبل التسليم.

 

لكن الخبير الاقتصادي الدكتور جودة عبد الخالق يؤكد في أطروحاته العامة أن التنمية لا تقاس بالشعارات، بل بقدرة السياسات العامة على حماية الفقراء والمنتجين ومنحهم نصيبًا عادلًا من الموارد.

 

ومن هنا، تصبح مأساة تونا الجبل اختبارًا مباشرًا لهذا المعنى، لأن الدولة التي تطالب الشباب بالإنتاج لا تملك حجة حين تتركهم 17 عامًا بلا أرض ولا منزل ولا تعويض.

 

تنمية مؤجلة ومساءلة غائبة

 

إلى جانب التعطيل، يكشف المشروع حجم إهدار المال العام في منشآت شيدت ثم تركت للسرقة، فالمنازل والمرافق والكهرباء لم تكن ملكًا للمسؤولين، بل أموالًا عامة وحقوقًا لأسر منتظرة.

 

كذلك يرى الباحث الاقتصادي عبد الخالق فاروق أن غياب الرقابة والمحاسبة يفتح الباب لإهدار الموارد العامة، خصوصًا حين تتحول المشروعات المعلنة إلى هياكل بلا تشغيل ولا عائد اجتماعي.

 

ومن ثم، لا تبدو تونا الجبل مشروعًا متعثرًا فقط، بل ملفًا يستوجب تحقيقًا في أسباب توقف التسليم، ومسؤولية الجهات التنفيذية عن ترك البيوت والمرافق عرضة للنهب طوال تلك السنوات.

 

لزيادة خطورة المشهد، يستهدف المشروع إنشاء قرية نموذجية تضم وحدة صحية ومدرسة ومركز شباب وسوقًا ومخبزًا ونقطة حماية مدنية، ما يعني أن التعطيل حرم المنطقة من مجتمع كامل.

 

وفي هذا الإطار، يشدد المهندس الاستشاري ممدوح حمزة في مواقفه المهنية على أن نجاح أي مشروع عمراني يرتبط بالتشغيل والصيانة والحماية، لا بمجرد البناء أو الإعلان السياسي عن الإنجاز.

 

وعليه، فإن ترك بيوت تونا الجبل بلا سكان ولا حماية أفرغ المشروع من مضمونه، وحوله من نواة للتنمية إلى شاهد مادي على فشل التخطيط والمتابعة وتوزيع المسؤوليات.

 

وفي سياق متصل، رفع عمر عزت نداءً باسم الأسر المتضررة إلى رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، مطالبًا بالتدخل لإنقاذ مستقبل 370 أسرة وتسليم الأراضي والمنازل دون تأجيل جديد.

 

ومن ناحية أخرى، لا يجوز أن تتحول المناشدة إلى بديل عن القانون، لأن حق المنتفعين مثبت بالمدفوعات والقرعات والطلبات القديمة، ولا يحتاج إلى استجداء سياسي كلما تغير محافظ أو مسؤول.

 

لهذا، يحتاج الملف إلى قرار علني محدد بجدول زمني للتسليم، وحصر للأضرار، ومحاسبة للمسؤولين عن السرقة والتخريب، وتعويض واضح للأسر التي خسرت 17 عامًا من الانتظار.

 

وفي النهاية، لا تختصر تونا الجبل أزمة 370 أسرة فقط، بل تكشف كيف تتحول مشروعات الدولة إلى سراب حين تغيب المحاسبة، فيبقى الشباب عالقين بين إيصالات الدفع وخرائب الوعود.