كشفت وسائل إعلام عراقية عن اتساع حملة الاعتقالات المرتبطة بملفات فساد كبرى في العراق، على خلفية اعترافات منسوبة إلى وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي، وسط حديث عن تجاوز عدد الموقوفين 38 شخصا، بينهم مسؤولون ونواب وشخصيات مرتبطة بشبكات نفوذ مالي وسياسي.
وتأتي الحملة في لحظة حساسة داخل العراق، حيث لم تعد قضايا الفساد مجرد ملفات إدارية عابرة، بل تحولت إلى عنوان لصراع مفتوح بين أجهزة الدولة وشبكات عميقة صنعت ثرواتها من العقود والعمولات واستغلال النفوذ، بينما يدفع المواطن العراقي ثمن الانهيار الخدمي والنهب المنظم لموارد البلاد.
اعتقالات تتجاوز بغداد
امتدت حملة المداهمات إلى مناطق عدة داخل العاصمة بغداد، بينها المنطقة الخضراء واليرموك والقادسية والشعب ومدينة الصدر وزيونة، في مشهد عكس حجم التشابك بين مراكز السلطة والسكن السياسي والواجهات المالية المرتبطة بملفات الفساد الكبرى.
ولم تقف التحركات الأمنية عند حدود العاصمة، إذ أفادت وسائل إعلام عراقية بتوقيف عدد من المتهمين في محافظات ميسان وبابل وديالى وصلاح الدين، ما يشير إلى أن التحقيقات تجاوزت دائرة محدودة، واتجهت نحو شبكة أوسع من المتورطين والمشتبه بهم.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام عن مسؤولين، شاركت الفرقة الخاصة وجهاز مكافحة الإرهاب في تنفيذ الاعتقالات، وهي مشاركة تكشف أن الدولة تعاملت مع الملف باعتباره عملية أمنية حساسة، لا مجرد إجراءات ضبط تقليدية في قضية فساد عادية.
وتشير طبيعة المناطق التي شملتها المداهمات إلى أن الاعتقالات طالت مستويات مختلفة من النفوذ، من أحياء سياسية وأمنية مغلقة إلى مناطق شعبية ومحافظات خارج بغداد، بما يعزز الانطباع بأن الملف متشعب، وأن الاعترافات فتحت أبوابا جديدة للتحقيق.
اعترافات الجميلي تفتح الملف
تدور الحملة، وفق الروايات المتداولة، حول اعترافات منسوبة إلى وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي، الذي تحول اسمه إلى مفتاح رئيسي في واحدة من أكبر قضايا الفساد المثارة خلال الفترة الأخيرة، خاصة مع ارتباط الملف بعقود ومصالح مالية واسعة.
وتكتسب وزارة النفط في العراق حساسية خاصة، كونها تمثل العمود المالي للدولة ومصدر الإيرادات الأكبر، ولذلك فإن أي شبهة فساد داخل هذا القطاع لا تعني فقط إهدار أموال عامة، بل تعني اختراقا مباشرا لأهم شريان اقتصادي في البلاد.
ويكشف اتساع الاعتقالات أن التحقيقات لم تتوقف عند موظفين تنفيذيين أو وسطاء محدودين، بل وصلت إلى شخصيات سياسية وبرلمانية، ما يفتح الباب أمام سؤال أكبر بشأن حجم الحماية التي تمتعت بها شبكات الفساد داخل مؤسسات الدولة.
وبينما لم تعلن الجهات الرسمية كل التفاصيل النهائية للملف، فإن تواتر التسريبات الإعلامية بشأن عدد المعتقلين والمناطق المشمولة بالمداهمات يعكس حالة ارتباك سياسي، وربما خشية لدى أطراف نافذة من امتداد التحقيقات إلى أسماء أكبر.
كما أن الحديث عن تجاوز عدد الموقوفين 38 شخصا يجعل القضية واحدة من أوسع حملات التوقيف المرتبطة بالفساد في الفترة الأخيرة، خصوصا إذا ثبت أن بينها نوابا ومسؤولين وواجهات مالية لعبت أدوارا في تمرير الصفقات أو تغطية المخالفات.
الحصانة البرلمانية تحت الضغط
أفادت وسائل إعلام بأن رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي رفع الحصانة عن النواب المعتقلين بالتزامن مع العطلة التشريعية، في خطوة تضيف بعدا سياسيا مباشرا للقضية، لأنها تنقل التحقيق من مربع الشبهات الإدارية إلى مواجهة مع طبقة سياسية محمية عادة بالحصانة والنفوذ.
وتطرح هذه الخطوة تساؤلات حول ما إذا كانت الحملة تمثل بداية جدية لمحاسبة المتورطين، أم أنها ستبقى عملية انتقائية تستهدف بعض الأسماء وتترك البنية الأوسع للفساد بعيدة عن المساءلة الحقيقية.
ففي العراق، كثيرا ما تحولت ملفات الفساد الكبرى إلى ساحات مساومة بين القوى السياسية، حيث تظهر الاتهامات بقوة ثم تخفت تدريجيا مع تبدل التحالفات أو عقد التسويات، بينما تبقى الأموال المنهوبة خارج دائرة الاسترداد الفعلي.
غير أن دخول نواب إلى دائرة الاعتقال، إذا تأكد قضائيا، يعني أن القضية لم تعد قابلة للاحتواء بسهولة، لأن الرأي العام العراقي ينظر إلى البرلمان بوصفه أحد مراكز الحماية السياسية لمنظومة المصالح، لا مجرد سلطة رقابية منفصلة عنها.
وتكشف الحملة في جانبها الأوسع أن الدولة العراقية تواجه اختبارا قاسيا، فإما أن تذهب التحقيقات إلى نهايتها عبر محاكمات شفافة واسترداد للأموال وكشف شبكات الحماية، وإما أن تتحول إلى جولة جديدة من الضجيج السياسي.
وفي النهاية، لا تقاس جدية الحرب على الفساد بعدد المعتقلين وحده، بل بقدرة القضاء على كشف المسارات المالية، ومحاسبة الرؤوس الكبيرة، ومنع تحويل الاعترافات إلى ورقة ضغط سياسية تنتهي بتسويات خلف الأبواب المغلقة.

