كشفت نتائج نهاية العام في المدارس الدولية بمصر رسوبًا واسعًا في اللغة العربية والدراسات والتربية الدينية، مع ضبط أوراق بيضاء منسوبة إلى 12 مدرسة حصل أصحابها على درجات كاملة، فانفجرت أزمة هوية ورقابة.

 

سياسيًا واجتماعيًا، لا تبدو الواقعة مجرد إخفاق طلابي، بل فضيحة لنظام تعليمي سمح لمدارس باهظة بتحويل الهوية إلى ديكور، ثم قرر فجأة معاقبة الطلاب بدل محاسبة الإدارة والوزارة والرقابة.

 

هوية مؤجلة وقرار مفاجئ

 

بداية، جاءت الأزمة بعد قرارات وزارة التربية والتعليم بإدخال مواد الهوية القومية في حساب النجاح والرسوب، وربط التربية الدينية بنسبة نجاح بلغت 70%، بعدما ظلت سنوات خارج مركز الاهتمام الجاد.

 

وبالتالي، وجد طلاب المدارس الدولية أنفسهم أمام اختبار مفاجئ في مواد لم تُبنَ داخل مدارسهم بالجدية نفسها التي تُمنح للغات الأجنبية والمناهج الدولية، فظهرت النتيجة صادمة في الامتحانات النهائية.

 

كما أن المشكلة لا تخص طالبًا ضعيفًا أو مدرسة واحدة، بل تكشف نمطًا تعليميًا كاملًا، دفع أولياء الأمور آلاف الدولارات والجنيهات، ثم اكتشفوا أن أبناءهم لا يملكون الحد الأدنى من العربية والدين والدراسات.

 

لزيادة المفارقة، تتحدث الدولة عن حماية الهوية بينما تترك التعليم الدولي يتحول إلى سوق طبقي، ثم تتدخل متأخرًا بقرار حاد، فيدفع الطالب ثمن سنوات من الإهمال الإداري والتربوي والرقابي.

 

لذلك، يرى الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، أن تدريس مواد الهوية ليس جديدًا، لكن الأزمة في التطبيق المفاجئ على طلاب اعتادوا اعتبارها مواد هامشية.

 

ومن ثم، يصبح القرار صحيحًا في مبدئه لكنه مرتبك في توقيته، لأن بناء الهوية لا يتم بقرار امتحاني آخر العام، بل بخطة تدريجية تبدأ من المناهج والمعلمين والمتابعة داخل الفصول.

 

غير أن الوزارة تعاملت مع الأزمة وكأن المشكلة في ضعف الطلاب فقط، بينما الحقيقة أن المدارس الدولية استفادت سنوات من غياب الرقابة، وقدمت للطلاب لغة أجنبية براقة وهوية وطنية مؤجلة.

 

أوراق بيضاء ودرجات كاملة

 

علاوة على ذلك، كشفت الأزمة جانبًا أخطر من الرسوب، بعدما تبين أن أوراق إجابة طلاب في 12 مدرسة كانت خالية من الإجابات رغم حصولهم على درجات كاملة، بحسب ما نشرته تقارير صحفية.

 

بناءً على ذلك، لم تعد القضية مجرد ارتباك في قرار وزاري، بل شبهة فساد تعليمي صريح، يضرب مصداقية المدارس الدولية، ويطرح سؤالًا مباشرًا عن كيفية منح درجات كاملة لأوراق بيضاء.

 

في المقابل، لا تكفي إجراءات إدارية غامضة ضد المدارس المخالفة، لأن الواقعة تمس مستقبل طلاب ونزاهة امتحانات وسمعة شهادات، وتكشف خللًا في منظومة اعتماد المدارس ومتابعة التقييم.

 

ومن ناحية أخرى، فإن المدارس التي تحصل على مصروفات مرتفعة لا تستطيع التذرع بعدم الجاهزية، فهي تبيع للآباء صورة تعليم عالمي، بينما تعجز عن ضمان امتحان نزيه في مواد وطنية أساسية.

 

كذلك، فإن وليد خطاب، عضو لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس النواب، يرى أن إدخال مواد الهوية يستهدف الحفاظ على اللغة العربية والانتماء الوطني، وأن المدارس الدولية لا يجوز أن تفصل الطالب عن ثقافته.

 

إلا أن حديث الانتماء لا يعفي الدولة من مسؤوليتها، فحماية الهوية لا تعني صدمة الطلاب بقرارات مفاجئة، ولا تبرئة مدارس باعت الوهم، ولا ترك أولياء الأمور بين الرسوب والتظلم والقلق.

 

ثم إن فساد الدرجات يفتح بابًا أكبر: هل كانت هذه النتائج الكاملة تتكرر في سنوات سابقة دون كشف؟ وهل كانت مواد الهوية مجرد خانة شكلية تُملأ بالأرقام بينما لا يتعلم الطلاب شيئًا.

 

بين حماية الهوية ومعاقبة الطلاب

 

في السياق ذاته، سبق للدكتور رضا حجازي، وزير التربية والتعليم السابق، أن أعلن في 2023 إصدار كتاب دوري للحفاظ على الهوية الوطنية في المدارس ذات المناهج الخاصة، بما يؤكد أن الملف قديم.

 

لذلك، فإن انفجار الأزمة في 2026 لا يعني أن الوزارة اكتشفت الخلل فجأة، بل يعني أن التحذيرات والقرارات السابقة لم تتحول إلى متابعة حقيقية داخل المدارس الدولية على مدار سنوات.

 

فضلاً عن ذلك، فإن رفع نسبة النجاح في التربية الدينية إلى 70% قد يبدو دفاعًا عن القيم، لكنه يصبح عبئًا ظالمًا إذا طُبق دون تهيئة ومناهج جادة وتدريب معلمين وتواصل مسبق مع الأسر.

 

كما أن أولياء الأمور لا يرفضون العربية أو الدين أو الدراسات، بل يرفضون أن يتحول تصحيح المسار إلى عقوبة جماعية، وأن يدفع الطلاب ثمن إهمال مدارس ووزارة وإدارات تعليمية نائمة.

 

وعليه، فإن الحل لا يكون بالتراجع الكامل ولا بالتشدد الأعمى، بل بمراجعة النتائج المشكوك فيها، وإعادة امتحان عادل عند الضرورة، ومحاسبة المدارس المتورطة في أوراق بيضاء ودرجات مزيفة.

 

من جهة أخرى، يجب وضع خطة انتقالية واضحة للطلاب في المراحل المتقدمة، لأن الطالب الذي درس سنوات بلغات أجنبية لا يمكن تحويل مساره بقرار مفاجئ ثم محاسبته كأنه تلقى إعدادًا كافيًا.

 

كذلك، ينبغي إعلان نتائج التحقيقات في المدارس الـ12 للرأي العام، لأن المجتمع لا يحتاج إلى بيانات إنشائية عن الهوية، بل إلى أسماء المخالفين والعقوبات وآليات منع تكرار فضيحة الدرجات الوهمية.

 

في النهاية، كشفت أزمة مواد الهوية أن الدولة تركت التعليم الدولي ينمو بلا ضبط حقيقي، ثم حاولت استرداد الهوية بقرار فوقي، فظهرت الكارثة: رسوب جماعي، أوراق بيضاء، وطلاب يدفعون الثمن.

 

وبذلك، لم تعد القضية هل ندرس العربية والدين والدراسات أم لا؛ فهذا واجب بديهي، لكن السؤال: من حوّل الهوية إلى مادة مهملة؟ ومن سمح بالدرجات المزورة؟ ومن يحاسب الوزارة والمدارس؟