حذرت دوائر استثمار دولية من أن البنك المركزي المصري لن يتعجل خفض الفائدة في القاهرة قبل هبوط التضخم دون 10%، رغم تسجيله 14.6% في مايو، لتبقى النتيجة ضغطًا أطول على المعيشة والتمويل.
وفي قلب الأزمة، لا تبدو الفائدة المرتفعة مجرد قرار فني لمحاربة الأسعار، بل اختيار سياسي واقتصادي يمنح أولوية للدائنين وحملة أذون الخزانة، بينما تتحمل الأسر والشركات فاتورة القروض والأسعار والركود.
كما أن قرار تثبيت الفائدة عند مستويات مرتفعة يعكس مأزق دولة تعيش بين حاجتها للدولار وخوفها من انفلات الأسعار، فلا تستطيع التيسير النقدي دون تهديد تدفقات الأموال الساخنة وسعر الصرف.
الاستقرار للدائنين والضغط على الناس
لذلك أبقى البنك المركزي المصري في مايو 2026 سعر عائد الإيداع عند 19% والإقراض عند 20%، معلنًا أن القرار يرتبط بتقديراته للتضخم الحالي والمتوقع وسط بيئة خارجية غير مواتية.
وبالتالي تتحول السياسة النقدية إلى جدار حماية للمستثمر الأجنبي أكثر منها أداة إنقاذ للمواطن، لأن الفائدة الحقيقية الموجبة تجذب أدوات الدين، لكنها ترفع تكلفة الحياة داخل السوق المحلي.
ومن ثم ترى علياء مبيض، كبيرة اقتصاديي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في بنك جيفريز، أن المركزي سيحافظ على فائدة حقيقية موجبة تقارب 4%، لضمان استمرار جاذبية الدين المصري.
غير أن هذا المنطق يكشف حجم الارتهان لتدفقات قصيرة الأجل، فكلما ارتفع احتياج الدولة للدولار، زادت حاجتها لإغراء المستثمرين بعائد مرتفع، حتى لو دفع الإنتاج والمستهلك الثمن.
علاوة على ذلك، فإن الحفاظ على العائد المرتفع لا يحل جذور الأزمة، لأنه لا يزيد الصادرات ولا يخفض فاتورة الاستيراد، بل يشتري وقتًا مكلفًا بديون داخلية أكبر وفوائد أثقل.
بناءً على ذلك، يصبح المواطن محاصرًا بين نارين، فخفض الفائدة مؤجل بحجة التضخم، وارتفاع الفائدة نفسه يرفع تكلفة التمويل على المصانع والتجار، ثم تعود الفاتورة إلى المستهلك.
في المقابل، يقدّم الخطاب الرسمي القرار بوصفه دفاعًا عن الاستقرار النقدي، لكن الاستقرار الذي لا ينعكس على الطعام والدواء والإيجار والمواصلات يتحول إلى رقم جميل في تقارير المستثمرين.
ومن زاوية أخرى، فإن الاعتماد على الأموال الساخنة يضع السياسة الاقتصادية كلها تحت اختبار دائم، لأن خروج هذه التدفقات يضغط على الجنيه، ويدفع الحكومة إلى مزيد من التشدد النقدي.
التضخم لا يرحم والفائدة لا تنقذ الفقراء
مع ذلك، تراجع التضخم السنوي في المدن إلى 14.6% في مايو 2026، مقارنة بنحو 14.9% في أبريل، لكنه ظل أعلى بكثير من نطاق مستهدفات المركزي البالغ 7% بزيادة أو نقص 2%.
وبينما يبدو التراجع محدودًا على الورق، لا يشعر المواطن بتحسن حقيقي في السوق، لأن مستويات الأسعار القديمة لم تنخفض، بل صار الصعود أبطأ فقط، وهي معادلة لا تطعم أسرة منهكة.
كذلك حذرت تقديرات رويترز من أن تباطؤ التضخم قد يكون مؤقتًا، مع توقع ضغوط جديدة من أسعار الكهرباء وعوامل تكلفة أخرى خلال الأشهر المقبلة، ما يضع خفض الفائدة تحت قيد إضافي.
في السياق نفسه، توقع محمد أبو باشا، كبير اقتصاديي المجموعة المالية هيرميس، بقاء التضخم في نطاق مرتفع نسبيًا، بما يعكس استمرار المخاطر المرتبطة بالطاقة وسعر الصرف وتكاليف الإنتاج.
ولهذا تبدو الفائدة المرتفعة كعلاج موجع لا يذهب إلى سبب المرض، فهي تضغط الطلب، لكنها لا تعالج ضعف الإنتاج ولا اختلال السوق ولا سيطرة الاستيراد على احتياجات المصريين.
فضلاً عن ذلك، فإن ارتفاع تكلفة الاقتراض يدفع شركات إلى تقليل التوسع أو تحميل التكلفة على الأسعار، فتتحول أداة مكافحة التضخم إلى عامل يضغط على العرض ويؤجل التعافي.
وعلى مستوى الأسر، تعني الفائدة المرتفعة قروضًا أغلى، وأقساطًا أثقل، وسوقًا أبطأ، وفرص عمل أقل في قطاعات تتجنب الاستثمار الجديد، بينما يبقى المواطن متهمًا ضمنيًا بأنه سبب التضخم.
إزاء ذلك، لا تكفي لغة الأرقام الرسمية لإخفاء البعد الاجتماعي، لأن سياسة تحمي سعر الصرف بتكلفة معيشية باهظة تعني أن الفقراء والطبقة الوسطى يمولون استقرارًا لا يملكون عائده.
الطاقة والدولار يفرضان كلفة جديدة
إلى جانب التضخم المحلي، تواجه مصر ضغطًا خارجيًا من فاتورة الطاقة، إذ ترفع الاضطرابات الجيوسياسية وأسعار النفط والغاز كلفة الاستيراد، وتزيد هشاشة ميزان المدفوعات في توقيت شديد الحساسية.
ومن ناحية الحساب الجاري، تشير بيانات منشورة إلى أن العجز تراجع إلى 9.5 مليار دولار في فترة حديثة، لكنه ظل رقمًا ضاغطًا يتطلب تدفقات دولارية مستمرة لا تضمنها الفائدة وحدها.
كما حذر تحليل اقتصادي من أن كل زيادة قدرها 10 دولارات في أسعار النفط قد ترفع فاتورة واردات الطاقة المصرية بنحو 2.5 مليار دولار، ما يضاعف حساسية القاهرة للأسواق العالمية.
وبناء على ذلك، ترى هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي في اتش سي للأوراق المالية، أن خروج تدفقات أجنبية من سوق أذون الخزانة يفرض موقفًا نقديًا حذرًا، حتى مع تباطؤ التضخم.
إلا أن هذا الحذر يفضح المعضلة الكبرى، فمصر تحتاج الفائدة المرتفعة لجذب الدولار، لكنها تحتاج خفض الفائدة لتنشيط الاستثمار، وبين الهدفين تضيع الصناعة ويتحول المواطن إلى ممول اضطراري للأزمة.
ثم إن أي تراجع جديد في الجنيه ينعكس سريعًا على أسعار السلع المستوردة والوقود ومدخلات الإنتاج، ما يجعل سعر الصرف قناة مباشرة لنقل الأزمة من الأسواق العالمية إلى موائد المصريين.
في المحصلة، لا يدور الجدل حول توقيت خفض الفائدة فقط، بل حول نموذج اقتصادي يراهن على الديون والتدفقات السريعة بدل الإنتاج والتصدير، ثم يطلب من المواطنين الصبر على نتائجه القاسية.
وعليه، فإن تأجيل خفض الفائدة حتى يهبط التضخم دون 10% قد يبدو منطقيًا للمستثمرين، لكنه بالنسبة للمصريين يعني دورة أطول من الغلاء والركود والديون، باسم استقرار لا يشعرون به.

