أعلن الفريق كامل الوزير نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية ووزير النقل خلال الجلسة العامة لمجلس النواب اليوم الثلاثاء قدرة وزارته على سداد 14 مليار يورو من القروض المخصصة لمشروعاتها دون تحميل الموازنة العامة للدولة أي أعباء إضافية.

 

يعكس هذا التصريح حالة من الانفصال التام عن الواقع الاقتصادي المأزوم الذي تعيشه مصر حاليا حيث تتجاهل الحكومة التحذيرات المستمرة من مغبة التوسع في الاقتراض الخارجي لتمويل مشاريع بنية تحتية ضخمة لا تدر عوائد دولارية سريعة.

 

وبالتالي فإن الإصرار على المضي قدما في تنفيذ مشروع القطار الكهربائي السريع بقيمة 4 مليارات يورو يمثل استنزافا مباشرا لموارد الدولة الشحيحة في وقت يعاني فيه المواطن البسيط من تداعيات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل غير مسبوق.

 

كما أن محاولة تبرير هذه الديون بالحديث عن فوائض دولارية وهمية تؤول لوزارة المالية من إيرادات الموانئ تثير تساؤلات جدية حول مدى شفافية الأرقام المعلنة وقدرة الحكومة الفعلية على الوفاء بالتزاماتها المالية المتراكمة خلال السنوات القادمة.

 

وعود السداد الوهمية

 

زعم وزير النقل أن وزارته تعتمد كليا على مواردها الذاتية لسداد القروض التي تمثل 5.8 بالمائة فقط من إجمالي الديون متعهدا أمام البرلمان بتحمل مسؤولية سداد كافة الأعباء المالية الحالية والمستقبلية دون المساس بميزانية الدولة.

 

بينما يرى الخبير الاقتصادي محمد فؤاد أن مصر تواجه صعوبات بالغة في الحصول على قروض جديدة من صندوق النقد الدولي مؤكدا أن حجم الديون الحقيقية لم يتراجع بل انخفضت فقط نسبتها مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي.

 

لذلك فإن تصريحات الوزير تتناقض بشكل صارخ مع المؤشرات الاقتصادية الكلية التي تؤكد عجز الحكومة عن توفير السيولة الدولارية اللازمة لتغطية فاتورة الاستيراد الأساسية ناهيك عن سداد أقساط وفوائد ديون مشاريع النقل العملاقة التي تبتلع المليارات.

 

ومن ثم يصبح الحديث عن قدرة وزارة النقل على تحقيق فوائض دولارية مجرد محاولة بائسة لتسكين الرأي العام الغاضب وتمرير اتفاقيات قروض جديدة تزيد من اختناق الاقتصاد المصري وترهن مستقبل الأجيال القادمة لصالح الدائنين الدوليين.

 

مشاريع البنية التحتية

 

دافع كامل الوزير باستماتة عن الجدوى الاقتصادية لمشروع القطار الكهربائي السريع مستشهدا بتجارب دول أفريقية أخرى ومؤكدا أن امتلاك شبكة نقل حديثة لم يعد رفاهية بل ضرورة ملحة لجذب الاستثمارات الأجنبية واستيعاب الزيادة السكانية المطردة.

 

غير أن عالم الاقتصاد الدكتور جودة عبد الخالق يشكك بشدة في قدرة الحكومة على خفض الدين العام إلى مستويات قياسية محذرا من أن التوسع غير المدروس في مشاريع البنية التحتية لا يمثل حلا سحريا للأزمة.

 

علاوة على ذلك فإن مقارنة الحالة المصرية باقتصادات دول أخرى تتجاهل الفروق الجوهرية في حجم المديونية الخارجية وقدرة كل دولة على تحمل أعباء الاقتراض مما يجعل هذه المقارنات مضللة ولا تعكس حقيقة الوضع المالي المتأزم.

 

بناء على ذلك فإن الاستمرار في ضخ المليارات في مشاريع النقل الفارهة على حساب قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والصناعة يعمق من الخلل الهيكلي في الاقتصاد المصري ويؤدي إلى تآكل الطبقة الوسطى وزيادة معدلات الفقر المدقع.

 

التنمية المستدامة الغائبة

 

اعتبر وزير النقل أن تقييم مشروع القطار السريع يجب ألا يقتصر على حسابات الربح والخسارة المباشرة بل يمتد ليشمل حجم التنمية العمرانية والاستثمارات التي سيولدها على امتداد مساره خلال العقود القادمة معتبرا إياه مشروعا استراتيجيا.

 

لكن المحلل السياسي والاقتصادي ممدوح الولي يؤكد أن السياسات الاقتصادية المتبعة في عهد السيسي أدت إلى إغراق البلاد في مستنقع الديون وارتفاع معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة دون تحقيق أي تنمية حقيقية تنعكس على حياة المواطنين.

 

بالتالي فإن الخطاب الحكومي الذي يروج لفكرة الاستثمار من أجل النمو يتجاهل حقيقة أن التنمية المستدامة لا تتحقق عبر تكبيل الدولة بالديون الخارجية بل من خلال تعزيز الإنتاج المحلي ودعم القطاع الخاص وتوفير فرص عمل حقيقية.

 

وفي النهاية فإن الإصرار على سياسة الاقتراض المفرط وتجاهل أصوات المعارضة والخبراء المستقلين يضع مصر على حافة الهاوية الاقتصادية حيث يتحول الصمت المجتمعي المفروض إلى أداة لتمرير سياسات كارثية تهدد استقرار البلاد ومستقبل أبنائها.