كشفت شكاوى سكان منطقة 6 أكتوبر بشاطئ النخيل، عند الكيلو 21 غرب الإسكندرية، عن أزمة معيشية وبيئية متفاقمة، بعدما حاصرت الإشغالات والقمامة والشوارع المكسرة السكان، وأفقدت المنطقة صورتها كمقصد مصيفي آمن.

 

وتضع هذه الاستغاثات حي العجمي ومحافظة الإسكندرية أمام مسؤولية مباشرة، لأن الأزمة لم تعد مشهدا موسميا مزعجا، بل نتيجة تراكم إداري ترك السكن والخدمات والشاطئ بلا رقابة فعالة تحمي السكان والملاك.

 

شقق مكتظة وغياب رقابة يحولان السكن إلى ضغط يومي

 

بدأت الأزمة من شكاوى السكان بشأن تأجير بعض ملاك العقارات شققًا سكنية لأعداد تفوق قدرة الوحدات والمرافق، وهو وضع يحول العمارة من مساحة سكن مستقرة إلى ضغط متواصل على المياه والصرف والكهرباء.

 

وبحسب روايات الأهالي، لا تتوقف المشكلة عند الازدحام داخل الشقق، لأن التكدس ينعكس مباشرة على السلم والشارع والمداخل، ويخلق ضوضاء متكررة ومشاحنات يومية بين السكان والمستأجرين في غياب رقابة حاسمة.

 

كما يحمّل السكان بعض الملاك المسؤولية الأولى عن هذا الوضع، لأنهم حولوا الشقق إلى مصدر عائد سريع دون اعتبار لطاقة العقار أو حق الجيران في الهدوء أو سلامة المرافق المشتركة.

 

وفي هذا السياق، تخدم قراءة الباحث العمراني يحيى شوكت هذا المحور بوضوح، لأنه يربط أزمة السكن في مصر بغياب المسكن الملائم والمرافق الأساسية، لا بمجرد شكل المبنى أو عنوانه العقاري.

 

وتكشف حالة 6 أكتوبر أن الدولة تترك المواطن بين مالك يضاعف الإيجار وسلطة محلية لا تراقب الاستخدام، فتتحول الشقق إلى وحدات مكتظة، وتتحول العمارات إلى نقاط احتكاك دائم بدل أن تكون مساكن آمنة.

 

ثم يزيد الخطر عندما تتداخل أزمة السكن مع وجود لاجئين أو مستأجرين هشين اقتصاديًا، لأن استغلال حاجتهم في وحدات مكتظة لا يحل أزمة السكن، بل ينقلها إلى الجيران والمرافق والشارع العام.

 

لذلك لا يملك السكان اعتراضًا على وجود مستأجرين بقدر اعتراضهم على غياب القانون، لأن الأزمة الحقيقية تكمن في تكديس البشر داخل وحدات ضيقة، وترك العمارات بلا حد أقصى للاستخدام أو رقابة ميدانية.

 

ومن هنا يصبح تدخل حي العجمي ضرورة لا رفاهية، لأن ترك هذه العلاقة العشوائية بين الملاك والمستأجرين يوسع دائرة المشاجرات، ويجعل المنطقة كلها رهينة لممارسات فردية تدار خارج أي ضوابط حضارية.

 

قمامة ونباشون يطردون الحياة من الشوارع

 

تزامن الضغط السكني مع تدهور حاد في النظافة العامة، إذ يشكو السكان من تراكم أكوام القمامة والمخلفات داخل الشوارع، بصورة حولت الحركة اليومية إلى عبور بين روائح كريهة وحشرات ومخاطر صحية واضحة.

 

وبسبب هذا التراكم، يقول الأهالي إن النباشين وجامعي القمامة فرضوا حضورهم على بعض الشوارع الرئيسية والجانبية، واستخدموها كساحات فرز مفتوحة، بما يعطل المرور ويفرض واقعًا مخالفًا على السكان دون ردع.

 

وتخدم هنا قراءة خبراء إدارة المخلفات الصلبة هذا المحور، لأن تعريف جهاز شؤون البيئة للمخلفات البلدية يوضح أن القمامة ناتج يومي يحتاج منظومة جمع ونقل وتدوير، لا تركًا عشوائيًا أمام المنازل.

 

كما تؤكد دراسات إدارة المخلفات أن مواقع الفرز والجمع تحتاج تنظيمًا ومسارات نقل ومراقبة، بينما تترك الفوضى الحالية الشارع نفسه يتحول إلى محطة فرز غير قانونية، يدفع السكان ثمنها صحيًا ونفسيًا.

 

وفي المقابل، لا يستطيع السكان حماية أطفالهم وكبار السن من الناموس والحشرات إذا استمرت القمامة بلا رفع منتظم، لأن النظافة ليست خدمة تجميلية، بل شرط مباشر للصحة العامة داخل الأحياء السكنية.

 

وتكشف استغاثة محسن محجوب، أحد سكان 6 أكتوبر بالكيلو 21، مستوى الضيق اليومي، إذ يطالب بإنقاذ السكان من الباعة الجائلين والميكروفونات والقمامة والناموس والشوارع التي أضرت بالسيارات والحركة.

 

وعبر هذه الشهادة، يظهر أن الأزمة لا تتعلق بمشهد قبيح فقط، لأن الضوضاء والمخلفات وتكسير الشوارع أصبحت عناصر متداخلة تصنع حصارًا يوميًا، وتدفع السكان إلى طلب حملة تنفيذية تعيد الانضباط.

 

كذلك تكشف سيطرة مركبات التريسيكل والباعة الجائلين على الشوارع عن فراغ رقابي واضح، فحين يحتل الصوت والمخلفات والحركة العشوائية المجال العام، يفقد المواطن حقه البسيط في شارع آمن ونظيف.

 

وبناء على ذلك، تبدو مناشدة الأهالي لحي العجمي أقل من حجم المطلوب، لأن المنطقة تحتاج خطة يومية للنظافة ورفع الإشغالات، لا حملة عابرة تلتقط صورًا ثم تترك الشوارع تعود للفوضى.

 

شاطئ بملايين الجنيهات وشوارع مكسرة بلا نتيجة

 

على صعيد الشاطئ، يذكّر ملاك النخيل بأن المحافظة ألغت في مارس 2020 تخصيص شاطئ النخيل لجمعية 6 أكتوبر، وطرحت الشاطئ في مزاد علني بعد شكاوى من إشغالات وسوء إدارة وحوادث غرق.

 

وبعد ذلك، اعتمدت المحافظة في يناير 2021 بروتوكول استغلال للشاطئ لمدة 5 سنوات بقيمة 8.5 مليون جنيه تزيد 10% سنويًا، مع تحميل الجهة المديرة مسؤولية الإنقاذ وحواجز الأمواج.

 

غير أن سكان المنطقة يقولون إن هذه القرارات المالية والإدارية لم تنعكس على الشوارع المحيطة، حيث بقيت الطرق مكسرة وغير صالحة للمشي أو قيادة السيارات، وبقي المشهد العام بعيدًا عن التطوير المعلن.

 

وتخدم قراءة ديفيد سيمز، خبير التخطيط العمراني، هذا المحور لأنها تضع الخدمات والمواصلات والمرافق في قلب تقييم العمران، لا في هامشه، وتكشف أن الإدارة الفاشلة تعطل قيمة المكان مهما كان موقعه.

 

كما تكشف ذاكرة الشاطئ نفسها حجم الخلل، إذ قررت النيابة في يوليو 2020 إغلاقه بعد غرق 11 شخصًا، بينما ظل اسم شاطئ الموت حاضرًا في الذاكرة العامة بسبب تكرار الحوادث.

 

ومن ثم لا يمكن فصل تدهور الشوارع عن تاريخ إدارة الشاطئ، لأن المنطقة التي حصلت فيها المحافظة على موارد من الاستغلال لم تحصل في المقابل على بنية محيطة تليق بسكان وملاك ومصطافين.

 

ولذلك يرى الأهالي أن الحديث الرسمي عن التطوير يفقد معناه عندما تظل الحفر والقمامة والإشغالات أمام الأبواب، لأن المواطن يقيس الإدارة من رصيفه وشارعه، لا من بنود المزاد أو البروتوكول.

 

ثم تتسع المفارقة عندما تتحول منطقة مصيفية إلى بؤرة طاردة، فالسكن السياحي لا يعيش على البحر وحده، بل يحتاج شارعًا نظيفًا وإنارة وصرفًا ومرورًا وهدوءًا وخدمة إنقاذ واضحة ومعلنة.

 

وفي ظل هذا التراجع، تبدو حملة مكبرة من حي العجمي مطلبًا عاجلًا، لكنها يجب أن تبدأ من إزالة الإشغالات وتنظيم الإيجارات اليومية ورفع المخلفات وإصلاح الطرق ومحاسبة كل جهة عطلت التطوير.

 

وتحتاج المحافظة إلى إعلان جدول زمني واضح لسكان 6 أكتوبر، يحدد مسؤولية كل جهة عن النظافة والطرق والشاطئ والباعة والمخالفات، لأن الاستغاثات المتكررة تعني أن قنوات الشكوى التقليدية فقدت أثرها.

 

كما يجب أن تشمل الاستجابة مراجعة شاملة لتراخيص الإشغال والفرز والتأجير التجاري داخل العقارات، لأن المنطقة لن تستعيد هدوءها إذا بقيت المخالفات مصدر ربح للمخالفين ومصدر خسارة للسكان.

 

وفي النهاية، لا تطلب منطقة 6 أكتوبر بالعجمي امتيازًا خاصًا، بل تطلب حقًا عاديًا في شارع نظيف ومرفق يعمل وشاطئ آمن وسكن لا يتحول إلى عبء، وهذه حقوق أساسية لا منحة موسمية.

 

لذلك تمثل الاستغاثة الحالية اختبارًا قاسيًا لمحافظة الإسكندرية وحي العجمي، لأن استمرار الوضع يعني أن الدولة تترك منطقة كاملة تتآكل أمام أعين سكانها، بينما يدفع الأهالي ثمن العشوائية من صحتهم وأموالهم وكرامتهم.