بدأ سكان جنوب لبنان العودة إلى قراهم وبلداتهم بعد أشهر من النزوح، حاملين معهم أملاً باستعادة حياتهم، وقلقاً من واقع أمني لا يزال هشاً، وصدمة أمام دمار واسع خلّفته الحرب في المنازل والطرقات والبنى التحتية. فعلى الطريق الممتد من صيدا نحو عمق الجنوب، تبدو حركة السيارات وكأنها تعكس انقلاب المشهد؛ العائلات التي غادرت شمالاً بحثاً عن الأمان، تعود اليوم جنوباً محملة بحقائب العودة، لا بحقائب النزوح. لكن هذه العودة، وإن بدت مؤشراً على بدء استعادة الحياة، تصطدم سريعاً بواقع قاسٍ: قرى منكوبة، منازل مهدمة، محال مدمرة، وذكريات فقد لا تمحوها محاولات الترميم.
ورغم تراجع مستوى التوتر الإقليمي عقب الحديث عن تفاهم أميركي إيراني وانخفاض وتيرة المواجهات المباشرة على الجبهة اللبنانية، فإن الجنوب لم يدخل بعد مرحلة الاطمئنان الكامل. فالأهالي يعودون وسط مخاوف من انهيار التهدئة أو تجدد التصعيد، في وقت لا تزال فيه بعض الوقائع الميدانية توحي بأن المنطقة تعيش وقفاً هشاً للتصعيد أكثر من عيشها استقراراً نهائياً.
عودة حذرة وسط هدنة غير مكتملة
لا يمكن فصل مشهد العودة إلى جنوب لبنان عن الخلفية الأمنية والسياسية التي تحكمه. فالتراجع النسبي في حدة المواجهات فتح نافذة أمام آلاف العائلات للعودة إلى قراها، لكنه لم يبدد المخاوف من تجدّد الحرب. في أحاديث الأهالي، يحضر القلق بوضوح إلى جانب الشوق؛ فالعودة إلى المنزل، حتى لو كان متضرراً أو مدمراً، تبقى بالنسبة إليهم خياراً لا يمكن التخلي عنه.
وتكشف التطورات الميدانية أن التهدئة لا تزال معرضة للاهتزاز. ففي محيط النبطية، حاولت مدرعات وآليات إسرائيلية التقدم من أطراف بلدة كفرتبنيت باتجاه مرتفعات علي الطاهر، قبل أن تتراجع بعد استهدافها بصاروخين مضادين للدروع من نوع “كورنيت”. هذا المشهد أعاد إلى الأذهان ما جرى عقب وقف الأعمال العدائية أواخر عام 2024، حين استمرت القوات الإسرائيلية في التقدم وفرض وقائع ميدانية جديدة رغم إعلان التهدئة.
ويزيد من هشاشة الوضع غياب انسحاب إسرائيلي كامل من بعض النقاط والمناطق التي شهدت توغلات خلال الحرب. لذلك، لا تبدو العودة في نظر كثيرين عودة إلى حياة طبيعية تماماً، بل عودة مشروطة بالحذر والترقب. فالسكان يدركون أن أي انهيار في التفاهمات قد يعيدهم مجدداً إلى دائرة النزوح، لكنهم في الوقت نفسه يرفضون أن يبقوا بعيدين عن أرضهم ومنازلهم.
يقول أبو الحسن إن العودة إلى البيت، مهما كانت الأضرار، تبقى شعوراً يصعب وصفه. ويؤكد أن سكان الجنوب تحملوا أعباء النزوح وصبروا على ظروف قاسية، لكن تمسكهم بالأرض بقي أقوى من الخوف. ويرى أن تجربة النزوح، بدلاً من أن تضعف ارتباط الناس بقراهم، زادتهم تعلقاً بها وإصراراً على الرجوع إليها.
قرى منكوبة وبيوت تنتظر الإعمار
بعيداً عن الحسابات العسكرية والسياسية، يبدو السؤال الأكثر إلحاحاً لدى الأهالي بسيطاً ومؤلماً في آن واحد: كيف يمكن العودة إلى منزل لم يعد صالحاً للسكن؟ فمشاهد الدمار تمتد على مساحات واسعة من الجنوب. مبانٍ سكنية مهدمة كلياً أو جزئياً، واجهات محال محطمة، طرقات تحتاج إلى صيانة، وبنية تحتية أنهكتها أشهر طويلة من القصف.
على الطريق المؤدي إلى قضاء صور، يستعد فضل ناصر للعودة إلى بلدته عين بعال بعد أكثر من 3 أشهر من النزوح. عاش ناصر خلال تلك الفترة في إحدى مدارس صيدا، ولم يتمكن من رؤية منزله أو معرفة حجم الأضرار التي لحقت به. ورغم الغموض، قرر العودة قائلاً إن الواقع، مهما كان صعباً، لا بد من التأقلم معه.
اختار ناصر العودة على متن دراجة نارية، في مشهد يعكس طبيعة المرحلة؛ فالطرقات التي حملت النازحين بعيداً عن الجنوب تحولت الآن إلى شرايين مفتوحة للعائدين. ومع أن حركة السير لا تزال خجولة، فإنها تزداد تدريجياً، لتصبح واحدة من أبرز ملامح العودة الحالية.
وفي النبطية، تبدو آثار الحرب أكثر قسوة ووضوحاً. يقول مختار المدينة حسين برجاوي إن حجم الدمار في بعض الأحياء تجاوز 70%، ما يجعل إعادة الإعمار مهمة طويلة وشاقة. لكنه يؤكد أن الأهالي عادوا فور توافر الفرصة، من دون انتظار دعوات أو توجيهات رسمية، في دليل على عمق ارتباطهم بأرضهم.
ولا يقتصر التحدي على إزالة الركام وإصلاح الأبنية، بل يمتد إلى إعادة الخدمات الأساسية وتأمين مقومات الحياة اليومية. فعودة السكان تحتاج إلى كهرباء ومياه وطرقات ومدارس ومحال ومراكز صحية، لا إلى قرار فردي بالشجاعة فقط. ومع ذلك، بدأت بعض المحال التجارية في دير قانون النهر والقرى المجاورة تفتح أبوابها مجدداً، وعادت خدمات محدودة إلى العمل، في مؤشرات أولية على عودة حياة لا تزال بعيدة عن طبيعتها.
الفقد الأثقل من الركام
في دير قانون النهر، لا تروي المنازل المدمرة وحدها قصة الحرب. فهناك صور الغائبين الذين لم يعودوا مع عائلاتهم، وذكريات من فقدوا حياتهم في الغارات الإسرائيلية. يقف محمد حريري أمام منزل العائلة، حيث تختلط آثار الدمار بوجع الفقد، مستحضراً ابنه وابن شقيقته اللذين قتلا خلال إحدى الغارات على البلدة.
يقول حريري إن خسارة الأحبة تبقى أقسى من خسارة الحجر، فالمنازل يمكن إعادة بنائها مهما بلغ حجم الدمار، أما الراحلون فلا عودة لهم. ومع ذلك، عاد الأهالي إلى بلدتهم حتى قبل انتهاء عمليات الترميم وإعادة الإعمار، ولجأت بعض العائلات إلى منازل الأقارب أو إلى مساكن مؤقتة بانتظار إصلاح بيوتها.
هذا التداخل بين العودة والفقد يمنح المشهد الجنوبي بعداً إنسانياً عميقاً. فالأهالي لا يعودون فقط إلى أماكن مهدمة، بل إلى ذاكرة مثقلة بالحرب. كل منزل متضرر يحمل حكاية، وكل شارع مدمّر يستعيد أسماء من مروا فيه ولم يعودوا. ومع ذلك، تبدو العودة نفسها فعلاً يومياً من أفعال الصمود، لا مجرد حركة انتقال من مكان نزوح إلى قرية أصلية.
اليوم، يقف جنوب لبنان عند تقاطع معقد بين السياسة والميدان والإنسان. فالتفاهمات الإقليمية قد تخفف منسوب التوتر، لكنها لا تكفي وحدها لإعادة الطمأنينة. والانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي شهدت توغلات يبقى شرطاً أساسياً لأي استقرار حقيقي. أما الأهالي، فهم منشغلون بسؤال أكثر قرباً من حياتهم اليومية: كيف يعيدون بناء ما هدمته الحرب؟.
وبين الركام والمنازل المتضررة، وبين الخوف من التصعيد والرغبة في البقاء، تبدو العودة إلى الجنوب أكثر من مجرد رجوع جغرافي. إنها محاولة لاستعادة الحياة، حتى وسط الدمار؛ عودة إلى بيت مكسور، ومتجر فقد واجهته، وقرية أنهكها القصف، لكنها ما زالت تتمسك بحقها في أن تكون عامرة من جديد.

