ما بدا في البداية نقاشًا غذائيًا محدودًا داخل مصر، تحول خلال أشهر قليلة إلى ظاهرة رقمية وثقافية امتدت إلى دول عربية عدة. ففي 3 مايو 2026 قررت السلطات المصرية حظر المحتوى الإعلامي المرتبط بحمية "الطيبات" التي روّج لها الطبيب الراحل ضياء العوضي، معتبرة أنها تمثل خطرًا على الصحة العامة.

 

لكن القرار لم يؤدِّ إلى تراجع انتشار الحمية كما كان متوقعًا، بل أسهم في زيادة الاهتمام بها. فبعد وفاة العوضي في دبي يوم 19 أبريل 2026 عن عمر 47 عامًا، استمرت مقاطع الفيديو الخاصة به في الانتشار على نطاق واسع، وأصبح ملايين المتابعين يتعاملون مع أفكاره باعتبارها طريقًا لتحسين الصحة وعلاج الأمراض المزمنة، رغم التحذيرات المتكررة من الجهات الصحية التي تؤكد أن هذه الادعاءات لا تستند إلى أدلة علمية كافية ولا يمكن أن تكون بديلًا عن العلاج الطبي المعتمد.

 

ظاهرة عربية تتجاوز الحدود المصرية

 

لم يقتصر انتشار "الطيبات" على مصر، بل امتد إلى المغرب والسعودية ودول عربية أخرى. ففي المغرب رصدت وسائل إعلام محلية، بينها صحيفة "لو ماتان"، توسعًا ملحوظًا في تبني مبادئ الحمية وإعادة نشر محتواها عبر منصات التواصل الاجتماعي، حتى إن بعض المتابعين بدأوا يشككون في جدوى العلاجات الطبية التقليدية مقارنة بما يقدمه النظام الغذائي الجديد.

 

أما في السعودية، فقد أصدرت وزارة الصحة تحذيرًا رسميًا من الاعتماد على الادعاءات العلاجية المرتبطة بحمية "الطيبات"، مؤكدة عدم وجود أدلة علمية تدعم استخدامها كبديل للأدوية والعلاجات الموصوفة. وجاء التحذير بعد رصد حالات لمرضى سكري قاموا بتعديل جرعات أدويتهم أو إيقافها استنادًا إلى نصائح متداولة عبر الإنترنت، ما تسبب في تدهور أوضاع بعضهم الصحية ووصول عدد منهم إلى أقسام العناية المركزة.

 

وشددت الجهات الصحية السعودية على أن التغذية السليمة يجب أن تعتمد على التوازن والتنوع والمرجعيات العلمية المعتمدة، لا على توصيات فردية أو وصفات منتشرة عبر المنصات الرقمية.

 

كيف نجحت "الطيبات" في جذب الملايين؟

 

يرى متخصصون أن سر انتشار الحمية يعود إلى بساطة فكرتها وطريقة تقديمها. فالنظام يقوم على تقسيم صارم للأطعمة إلى فئتين: "طيبات" و"خبائث"، في إطار يحمل أبعادًا أخلاقية ودينية تتجاوز النقاش الغذائي التقليدي.

 

وتشمل قائمة الأطعمة المسموح بها عشرات المنتجات، من بينها الأرز والبطاطس والتمر والعسل وزيت الزيتون والسمن واللحوم الحمراء وبعض أنواع الجبن. وفي المقابل، تحظر الحمية مجموعة واسعة من الأطعمة مثل دجاج المزارع ومعظم منتجات الألبان والبقوليات والخضراوات النيئة والحمضيات والزيوت النباتية والسكر الأبيض.

 

ويعتبر الدكتور طيب حمدي، الباحث في السياسات والأنظمة الصحية بالمغرب، أن استخدام مصطلحي "الطيبات" و"الخبائث" المستمدين من اللغة القرآنية منح النظام قوة رمزية كبيرة، وجعل كثيرين يتعاملون معه باعتباره خيارًا أخلاقيًا أو دينيًا أكثر من كونه برنامجًا غذائيًا قابلًا للنقد أو المراجعة.

 

كما يرى خبراء أن بعض العوامل الاقتصادية ساعدت على انتشار الحمية، خاصة في ظل تراجع أسعار بعض المنتجات التي يصنفها النظام ضمن الممنوعات، ما دفع بعض المتابعين إلى النظر إلى الامتناع عنها بوصفه موقفًا احتجاجيًا تجاه الواقع الاقتصادي.

 

حين تتصادم الادعاءات مع الأدلة العلمية

 

يؤكد مختصون في التغذية أن استبعاد مجموعات غذائية كاملة مثل البقوليات والخضراوات النيئة والحبوب الكاملة يتعارض مع ما توصلت إليه عقود من الأبحاث العلمية بشأن صحة الجهاز الهضمي والميكروبيوم المعوي.

 

وتشير الدراسات إلى أن هذه الأطعمة تلعب دورًا رئيسيًا في تعزيز صحة الأمعاء وتقليل الالتهابات المزمنة وخفض مخاطر الإصابة بعدد من الأمراض، من بينها سرطان القولون والمستقيم. وحتى الآن لا توجد دراسات سريرية منشورة في دوريات علمية محكمة تثبت صحة الادعاءات المرتبطة بحمية "الطيبات".

 

كما يرفض خبراء التغذية فكرة وجود نظام غذائي واحد يصلح لجميع الأشخاص، مؤكدين أن الاحتياجات الغذائية تختلف باختلاف العمر والحالة الصحية ومستوى النشاط البدني، وأن أي نظام ناجح يجب أن يقوم على التوازن والتنوع لا على تقسيمات مطلقة بين أطعمة "جيدة" وأخرى "سيئة".

 

وتشمل الانتقادات أيضًا توصيات الحمية المتعلقة بشرب الماء فقط عند الشعور بالعطش، والتوسع في استهلاك الدهون الحيوانية واللحوم الحمراء، مع استبعاد أطعمة تعتبرها المؤسسات الصحية العالمية ركائز أساسية للتغذية السليمة، مثل البيض ومنتجات الألبان والخضراوات الطازجة.

 

أكثر من حمية غذائية.. قصة نفوذ رقمي وتأثير اجتماعي

 

اليوم لم تعد "الطيبات" مجرد حمية غذائية ارتبطت باسم صاحبها الراحل، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية ورقمية قائمة بذاتها. فقد نجحت في استقطاب شرائح واسعة من الجمهور عبر خطاب يجمع بين الوعود الصحية واللغة الأخلاقية والدينية، مستفيدًا من حالة عدم الرضا التي يشعر بها بعض المرضى تجاه المنظومة الصحية التقليدية.

 

وفي المقابل، تجد المؤسسات الطبية نفسها أمام تحدٍ متزايد يتمثل في مواجهة محتوى ينتشر بسرعة هائلة عبر المنصات الرقمية، بينما يتطلب الرد العلمي عليه وقتًا أطول وأدلة أكثر تفصيلًا. وبين جاذبية "العلاج السهل" وتحذيرات الطب المبنية على البحث العلمي، تستمر معركة التأثير على عقول وممارسات الملايين في العالم العربي.