عاد ملف الاقتصاد العسكري في مصر إلى واجهة النقاش مجددًا بعد تداول معلومات عن إعداد قانون جديد ينظم عمل جهاز "مستقبل مصر للتنمية المستدامة"، في خطوة قد تحمل تغييرات واسعة في هيكل بعض الكيانات الاقتصادية التابعة للمؤسسة العسكرية. وبينما لم تصدر السلطات المصرية أي تأكيد أو نفي رسمي لما تم تداوله، أثارت هذه المعلومات تساؤلات واسعة حول مستقبل العلاقة بين الدولة والاقتصاد العسكري، وإمكانية إعادة رسم خريطة النفوذ الاقتصادي في البلاد، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة ومطالب المؤسسات الدولية بإصلاحات هيكلية أعمق.

 

خبر أثار التساؤلات.. ومصادر تتحدث عن تغيير جوهري

 

كشف موقع "العربية Business" في تقرير نشره الثلاثاء الماضي -قبل أن يُحذف لاحقًا- أن مصر تعمل على إعداد تشريع خاص بجهاز "مستقبل مصر للتنمية المستدامة"، يقضي بتحويله من جهاز تابع للقوات الجوية المصرية إلى كيان مدني يتبع الدولة، مع توسيع نطاق اختصاصاته ونقل تبعية عدد من الشركات الحكومية التي تتقاطع أنشطتها مع مجالات عمله.

 

وبحسب ما ورد في التقرير، فإن القانون المرتقب يمنح الجهاز إطارًا قانونيًا جديدًا وأكثر وضوحًا لتنظيم اختصاصاته وآليات عمله، بما يسمح له بلعب دور أكبر كمظلة تنفيذية واستثمارية للمشروعات الكبرى في قطاعات الزراعة والصناعة والتخزين والأمن الغذائي.

 

ورغم أهمية ما ورد في الخبر، فإن السلطات المصرية لم تصدر أي بيان رسمي يؤكد أو ينفي أو يصحح ما جاء فيه، وهو ما فتح الباب أمام سلسلة من التكهنات والتفسيرات.

 

وفي هذا السياق، رأى الباحث في الشؤون القانونية عباس قباري أن الخبر قد يُقرأ ضمن ثلاثة احتمالات رئيسية؛ إما أنه غير صحيح من الأساس، أو أنه يأتي في إطار صناعة رأي عام داعم لدور الجهاز لصالح جهة ما، أو أنه يعكس وجود خلافات بشأن تمرير القانون أو تغيير تبعية الجهاز.

 

إشارات متزامنة تعيد فتح ملف شركات الجيش

 

جاء تداول هذه المعلومات بالتزامن مع تصريحات أدلى بها رئيس وحدة الشركات المملوكة للدولة هاشم السيد لموقع "العربية"، أكد خلالها أن شركات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية تخضع بالفعل للتعامل مع الوحدة الحكومية المختصة بإدارة أصول الدولة.

 

وأوضح السيد أن الجهاز العسكري يُعد من أكثر الجهات التزامًا بالإجراءات التنظيمية، مشيرًا إلى وجود تنسيق مستمر بين الوحدة والجهات التابعة للمؤسسة العسكرية، وكاشفًا عن العمل حاليًا على زيادة رأسمال إحدى الشركات التابعة لجهاز الخدمة الوطنية.

 

هذه التصريحات اعتبرها مراقبون مؤشرًا إضافيًا على وجود حراك داخل دوائر صنع القرار يتعلق بإعادة هيكلة أو تنظيم أوضاع بعض الشركات الاقتصادية التابعة للمؤسسة العسكرية.

 

من مشروع زراعي إلى كيان اقتصادي عملاق

 

منذ صدور القرار الجمهوري رقم 591 لسنة 2022، تحول جهاز "مستقبل مصر" من مشروع زراعي محدود بمحور الضبعة إلى أحد أكبر الكيانات الاقتصادية والتنموية في البلاد.

 

وخلال فترة قصيرة توسعت اختصاصات الجهاز بصورة لافتة، ليشرف على ملفات الأمن الغذائي والتصنيع الزراعي والبحيرات والثروة السمكية والاستصلاح الزراعي والتخزين والصناعات الغذائية، فضلًا عن دخوله قطاعات التطوير العقاري والصناعة.

 

كما انتقلت إليه صلاحيات وأدوار كانت تتبع سابقًا جهات وهيئات حكومية مختلفة، من بينها أجهزة معنية بتنمية البحيرات والثروة السمكية، بالإضافة إلى أدوار مرتبطة بوزارة التموين والهيئة العامة للسلع التموينية.

 

ويشرف الجهاز اليوم على مشروعات ضخمة مثل مشروع "الدلتا الجديدة"، ومدينة "مستقبل مصر الصناعية"، ومشروع "جريان" العقاري، الأمر الذي جعله أحد أبرز اللاعبين الاقتصاديين في مصر خلال السنوات الأخيرة.

 

صندوق النقد والضغوط المتصاعدة

 

يربط عدد من المتابعين الحديث عن إعادة تنظيم وضع جهاز "مستقبل مصر" بالضغوط المتزايدة التي يمارسها صندوق النقد الدولي على الحكومة المصرية في إطار برامج الإصلاح الاقتصادي.

 

فالصندوق طالب مرارًا بتقليص دور الشركات المملوكة للدولة والمؤسسة العسكرية في النشاط الاقتصادي، وبتوسيع مساحة القطاع الخاص وتحقيق تكافؤ الفرص بين المستثمرين.

 

وفي تقرير المراجعة الرابعة لبرنامج مصر الصادر في يوليو/تموز 2025، انتقد الصندوق استمرار حصول بعض الشركات المملوكة للدولة والجيش على مزايا تفضيلية، تشمل الإعفاءات الضريبية والحصول على الأراضي والعمالة بشروط خاصة.

 

كما لا تزال خطط طرح شركات تابعة للمؤسسة العسكرية، مثل "صافي" و"وطنية" و"سايلو فودز" و"شيل أوت" و"الوطنية للطرق"، تراوح مكانها رغم الإعلان عنها منذ سنوات.

 

هل أصبح ما كان مستبعدًا مطروحًا للنقاش؟

 

يرى الخبير في الاستراتيجية وإدارة الأزمات الدكتور مراد علي أن ما يجري لا يمكن اعتباره مجرد تصريحات عابرة أو معلومات متفرقة.

 

ويشير إلى أن الحديث عن طرح شركات تابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، وزيادة رؤوس أموال بعض الشركات، وإعادة تعريف الوضع القانوني لجهاز "مستقبل مصر"، كلها مؤشرات متراكمة تدل على أن ملف الكيانات الاقتصادية العسكرية أصبح حاضرًا بالفعل على طاولة النقاش داخل دوائر صنع القرار.

 

لكنه يؤكد في الوقت نفسه ضرورة التمييز بين نوعين من إعادة الهيكلة:

 

الأول يتمثل في تغييرات شكلية تقتصر على تعديل التبعية القانونية أو الأسماء الإدارية مع بقاء الإدارة الفعلية وآليات العمل والرقابة كما هي.

 

أما الثاني فهو إعادة هيكلة جوهرية تتضمن إخضاع هذه الكيانات لقواعد الحوكمة والإفصاح المالي والمراجعة المستقلة والرقابة المدنية، بما يجعلها تعمل وفق المعايير نفسها المطبقة على الشركات العامة والخاصة.

 

ماذا يمكن أن تجني الدولة من إعادة الهيكلة؟

 

بحسب مراد علي، فإن أي إصلاح جوهري لهذا الملف قد يحقق مجموعة من المكاسب المهمة للدولة.

 

في مقدمة هذه المكاسب، القدرة على معرفة القيمة الحقيقية للأصول والإيرادات والديون والالتزامات الخاصة بهذه الكيانات، بما يتيح إدارة أكثر كفاءة للاقتصاد الوطني.

 

كما أن إخضاع جميع الشركات للقواعد نفسها من شأنه تعزيز المنافسة العادلة وجذب مزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية التي كثيرًا ما اشتكت من وجود مزايا استثنائية لبعض الجهات.

 

ويرى كذلك أن طرح حصص من الشركات الناجحة قد يوفر موارد مالية يمكن توجيهها إلى خفض الدين العام، في وقت تلتهم فيه فوائد الديون جزءًا كبيرًا من إيرادات الدولة.

 

ومن المكاسب الأخرى المحتملة زيادة مستويات الشفافية والحوكمة، إضافة إلى إعادة تركيز المؤسسة العسكرية على مهامها الدفاعية والأمنية الأساسية بدلًا من إدارة الأنشطة التجارية والاقتصادية المتشعبة.

 

هل تقبل المؤسسة العسكرية بهذا التحول؟

 

يبقى السؤال الأكثر حساسية: هل يمكن تنفيذ مثل هذه التغييرات دون مقاومة من داخل المؤسسة العسكرية؟

 

يرى مراد علي أن الإجابة تعتمد على طبيعة الإصلاح ومداه.

 

فإذا اقتصر الأمر على تعديلات تدريجية تحافظ على مصالح المؤسسة وتوفر ضمانات للعاملين فيها، فقد يكون من الممكن استيعابها والتعامل معها بهدوء.

 

أما إذا امتدت التغييرات إلى جوهر النفوذ الاقتصادي المرتبط بإدارة الأصول والتدفقات المالية والعقود والأراضي والرقابة، فإن حجم المقاومة المحتملة سيكون أكبر.

 

ويلخص المسألة في سؤال واحد: هل ستنتقل الإدارة والرقابة والأموال فعليًا إلى المؤسسات المدنية أم سيقتصر الأمر على تغيير التبعية القانونية على الورق فقط؟

 

إمبراطورية اقتصادية واسعة النفوذ

 

على مدار العقود الماضية توسعت المؤسسة العسكرية المصرية في مختلف القطاعات الاقتصادية، من الصناعات الثقيلة ومواد البناء إلى الصناعات الغذائية والتجزئة والخدمات اللوجستية والإعلام والتكنولوجيا.

 

وتمتلك المؤسسة العسكرية عدة أذرع اقتصادية رئيسية، تشمل وزارة الإنتاج الحربي، والهيئة العربية للتصنيع، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، التي تدير عشرات المصانع والشركات العاملة في مجالات متعددة.

 

كما تتمتع بعض هذه الكيانات بإعفاءات ضريبية وجمركية ومزايا تنظيمية خاصة، وهو ما جعلها محورًا دائمًا للنقاش بين الحكومة والمستثمرين المحليين والدوليين.

 

بين الإصلاح الاقتصادي وحسابات النفوذ

 

يعتقد مراقبون أن أي خطوة نحو إعادة هيكلة الكيانات الاقتصادية التابعة للمؤسسة العسكرية ستظل مرتبطة بحسابات سياسية واقتصادية وأمنية معقدة.

 

فالرئيس عبد الفتاح السيسي كان صاحب التوسع الأكبر في إسناد المشروعات الاقتصادية للمؤسسة العسكرية خلال العقد الأخير، وبالتالي فإن أي تغيير جذري في هذا النموذج سيُنظر إليه باعتباره تحولًا مهمًا في فلسفة إدارة الاقتصاد المصري.

 

لكن في المقابل، يمكن تقديم هذه التغييرات باعتبارها وسيلة لتعزيز كفاءة الدولة وتحسين إدارة الأصول العامة وتخفيف الأعباء الاقتصادية عن المؤسسة العسكرية، وليس باعتبارها انتقاصًا من دورها أو مكانتها.

 

خاتمة

 

بين خبر جرى تداوله ثم اختفى سريعًا، وتصريحات رسمية تلمّح إلى تحركات تنظيمية جديدة، يبقى ملف الاقتصاد العسكري في مصر أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا في مستقبل الاقتصاد الوطني. وإذا كانت المؤشرات الحالية تعكس بالفعل بداية مراجعة شاملة لهذا الملف، فإن السؤال الحقيقي لن يكون حول تغيير المسميات أو التبعيات القانونية، بل حول مدى قدرة الدولة على الانتقال إلى نموذج أكثر شفافية وتنافسية، يوازن بين متطلبات الأمن القومي وضرورات الإصلاح الاقتصادي. وحتى تتضح الصورة رسميًا، سيظل جهاز "مستقبل مصر" عنوانًا لواحد من أكثر التحولات المحتملة إثارة للجدل في المشهد المصري المعاصر.