أعلنت وزارة التموين والتجارة الداخلية في القاهرة توسيع مشروع كاري أون عبر تحويل المجمعات الاستهلاكية ومنافذ جمعيتي والبدالين التموينيين إلى علامة موحدة، ضمن خطة تشمل 40 ألف نقطة بيع، بما يفتح بابًا جديدًا لهيمنة الدولة على تجارة الغذاء.

 

وتأتي الخطة بينما يواجه المصريون ضغطًا قاسيًا في أسعار الغذاء وتآكل الدخول، في وقت لا تكتفي فيه الحكومة بضبط السوق أو حماية الفقراء، بل تدخل بواجهات تجارية تنافس التجار الصغار في مصدر رزقهم اليومي.

 

واجهة لامعة تخفي سؤال السيطرة

 

بدأت وزارة التموين المشروع من فروع مطورة تحمل اسم كاري أون، مع وعود رسمية بتحديث المجمعات الاستهلاكية وتحسين الخدمة وتقديم السلع بأسعار تنافسية، لكن الافتتاح اللامع لم يشرح حدود الدور الحكومي داخل السوق.

 

ثم ربطت الوزارة المشروع بتوحيد اسم المجمعات الاستهلاكية ومنافذ جمعيتي والبدالين التموينيين، وهو ربط ينقل الفكرة من تطوير محال متهالكة إلى إعادة تشكيل شبكة توزيع السلع المدعومة في مصر.

 

وبحسب البيانات المنشورة، تستهدف الخطة تحويل 30 ألف بقال تمويني إلى شكل جديد، وتحديث 8500 منفذ من مشروع جمعيتي، إلى جانب تطوير 1060 منفذًا تابعًا للشركة القابضة للصناعات الغذائية.

 

لذلك لا يبدو المشروع مجرد عملية دهان للواجهات أو ترتيب للرفوف، لأن الأرقام المعلنة تتصل مباشرة ببطاقات التموين ونقاط الخبز وتدفق السلع الأساسية داخل القرى والأحياء الشعبية.

 

كما يثير حضور جهاز مستقبل مصر في بعض مراحل الإطلاق أسئلة إضافية، لأن المشروع يتبع رسميًا وزارة التموين والشركة القابضة للصناعات الغذائية، بينما يظهر الجهاز كفاعل ثقيل في مشهد الغذاء والإمداد.

 

ومن هنا تفيد قراءة الباحث يزيد صايغ في الاقتصاد العسكري المصري هذا المحور، لأنه يتتبع توسع الكيانات السيادية في قطاعات مدنية وقدرتها على إعادة تشكيل الأسواق بعيدًا عن قواعد الإفصاح المعتادة.

 

وبسبب ذلك يصبح السؤال عن التمويل والتشغيل والتوريد سؤالًا جوهريًا، لا تفصيلة إدارية، لأن المواطن يحتاج إلى معرفة الجهة التي تدفع التكلفة والجهة التي تتحكم في السلع والجهة التي تجني العائد.

 

كذلك لا تكفي عبارة الأسعار التنافسية لإقناع السوق، لأن أي سعر منخفض يحتاج إلى كشف مصدره، فإما أن ينتج عن كفاءة حقيقية، وإما أن يخفي دعمًا غير معلن تتحمله الموازنة العامة.

 

وعندما تغيب القوائم المالية المنشورة، لا يستطيع المواطن أو التاجر التمييز بين إدارة ناجحة وبين سعر مصطنع، وهو غياب يحول المنافسة إلى عرض دعائي تدفع كلفته الخزانة أو المنافسون الأصغر.

 

وبهذا المعنى، يضع كاري أون الدولة في موقع مزدوج، فهي تضع قواعد السوق بيد، وتنافس التجار باليد الأخرى، ثم تطلب من الجميع أن يصدقوا أن الملعب لا يزال عادلًا.

 

السعر الرخيص قد يصبح فخًا للمستهلك

 

يحتاج المصريون فعلًا إلى أسعار أقل وسلع منتظمة، ولا يستطيع أحد تجاهل أزمة الغذاء في البيوت، لكن علاج الأزمة لا يكون بخلق كيان مركزي ضخم يبتلع قنوات البيع بدل إصلاحها.

 

فعندما تعلن الحكومة أنها ستقلل حلقات التداول وتخفض الفاقد، فإنها تقدم مبررًا اقتصاديًا مفهومًا، لكن هذا المبرر لا يكتمل إلا بإعلان تكلفة كل فرع وطريقة تمويله وحسابات التشغيل.

 

وبدون هذه البيانات، يتحول السعر المنخفض إلى أداة سياسية مؤقتة، لأن الدولة تستطيع البيع بأقل من التكلفة فترة محدودة، بينما لا يملك التاجر الصغير القدرة نفسها ولا يتحمل خسائر مفتوحة.

 

هنا تخدم ملاحظات الباحث تيموثي قلدس عن الاقتصاد المصري هذا الجزء، لأنه ربط مرارًا بين ضعف القدرة الشرائية وتوسع الدولة في الاقتصاد وبين تراجع مساحة القطاع الخاص أمام لاعبين يتمتعون بامتيازات.

 

وبالتالي لا يمثل الخطر في أن يجد المواطن سلعة أرخص اليوم، بل في أن يخسر غدًا بدائل الشراء، بعد خروج البقال والموزع وتاجر التموين من سوق لا يملكون أدوات المنافسة فيه.

 

كما أن الدولة لا تستطيع إعلان تشجيع القطاع الخاص في خطابها أمام المؤسسات الدولية، ثم تبني في الوقت نفسه أكبر سلسلة حكومية للبيع بالتجزئة داخل قطاع الغذاء الأكثر حساسية للمصريين.

 

لذلك تبدو المفارقة واضحة، فالحكومة التي تتحدث عن التخارج من الاقتصاد تتحرك إلى قلب الدكان المصري، وتدخل في السكر والزيت والأرز واللحوم والتموين ونقاط الخبز وعمليات البيع اليومية.

 

وقد يفرح المستهلك بفرق سعر محدود في البداية، لكن السوق لا يقيس العدالة من أول فاتورة، بل من قدرة المنافسين على البقاء، ومن قدرة المواطن على الاختيار بعد سنوات.

 

ومع توسع كاري أون، يصبح السؤال عن الاحتكار مطروحًا بجدية، لأن شبكة بهذا الحجم تستطيع تحديد الموردين والأسعار وشروط البيع، وقد تتحول من أداة لضبط السوق إلى سوق بديل مغلق.

 

ومن ثم لا يمكن فصل المشروع عن أزمة السياسة الاقتصادية نفسها، حيث تعالج الحكومة الغلاء بتوسيع قبضتها التجارية، بدل معالجة جذور التكلفة والإنتاج والنقل والاحتكار وسوء الرقابة.

 

بقال التموين يدفع فاتورة المشروع

 

يغيب تاجر التموين عن البيانات الرسمية رغم أنه الطرف الأكثر تعرضًا للخطر، لأنه يعتمد على صرف السلع المدعومة ونقاط الخبز لتثبيت دخله ودفع إيجار المحل وتشغيل أسرته.

 

فهذا التاجر لا يدير منفذًا مجردًا في جداول الوزارة، بل يملك علاقة يومية مع سكان الشارع والقرية، ويمنح بعضهم مرونة في الحساب، ويعرف احتياجات كبار السن والعمال والموظفين.

 

وعندما يتحول صرف البطاقات تدريجيًا إلى واجهة موحدة أو سلسلة مركزية، فإن تدفقات مالية صغيرة كانت تعيش عليها آلاف الأسر ستغادر الحي إلى كيان إداري واحد لا يعرف السكان.

 

وفي هذا المحور، تفيد كتابات عمرو عادلي حول مستقبل القطاع الخاص في مصر، لأنها تحذر من أثر مشروعات الجهات العامة عندما تزاحم القطاع المدني بدل أن تنشئ له بيئة منافسة.

 

لذلك لا تكمن المشكلة في تحديث البقال أو تحسين شكل المنفذ، بل في تحويله إلى تابع داخل منظومة مركزية، أو دفعه إلى الخروج إذا عجز عن الالتزام بالشروط الجديدة.

 

كما أن مشروع جمعيتي والبدالين التموينيين نشأوا في الأصل لتوسيع شبكة الخدمة وخلق فرص عمل صغيرة، لكن إدخالهم في علامة واحدة قد يسحب منهم استقلالهم التجاري وقدرتهم على التفاوض.

 

وبالنتيجة، لا يخسر التاجر وحده، لأن الحي يفقد شبكة خدمات محلية صنعتها سنوات طويلة من الثقة والمعرفة اليومية، وهي شبكة لا تستطيع سلسلة حديثة تعويضها بمجرد رفوف مضيئة.

 

ثم إن التجارب المقارنة لا تدعم فكرة ابتلاع الدولة للسوق، فالدول التي نجحت في حماية الغذاء دعمت المنافسة أو المستهلك مباشرة، ولم تحول جهاز الدولة إلى بائع رئيسي في كل شارع.

 

وفي كوريا الجنوبية دعمت الدولة الشركات الوطنية ودفعتها للنمو داخل السوق، لكنها لم تحل المتجر الحكومي محل القطاع الخاص، بينما اختارت تجارب أخرى ضبط السعر دون امتلاك الدكان.

 

أما في تركيا، فقد استخدمت البلديات أسواقًا مباشرة عند أزمات محددة في الخضار والفاكهة، ثم بقي التدخل محصورًا ومؤقتًا، بما يختلف تمامًا عن بناء شبكة دائمة تنافس السوق كله.

 

وعلى العكس، تكشف التجربة الفنزويلية كلفة تحويل الغذاء إلى جهاز رسمي مسيطر، حيث بدأت الدولة بخطاب حماية الفقراء ومحاربة المحتكرين، ثم انتهى الأمر بشح وطوابير وسوق سوداء.

 

لذلك تحتاج وزارة التموين إلى إعلان خطة واضحة لمصير التجار، تشمل ضمانات مكتوبة بعدم إقصائهم، وآلية تعويض أو تمويل عادلة، وحقهم في الاحتفاظ بدور حقيقي لا شكلي داخل المنظومة.

 

كما يجب نشر القوائم المالية للمشروع وتكلفة التطوير ومصادر التمويل وعقود التوريد ودور كل جهة مشاركة، لأن الحديث عن الحوكمة لا قيمة له إذا بقيت الأرقام خارج رقابة المجتمع.

 

وفي النهاية، لا يختبر كاري أون قدرة الدولة على فتح فروع جديدة، بل يختبر نيتها تجاه السوق والمواطن، لأن حماية الفقير لا تعني سحق البقال، وخفض السعر لا يبرر بناء احتكار جديد.

 

ولهذا يبقى السؤال الذي يطارد المشروع أكبر من اسمه، فمن سيواصل فعلًا داخل سوق الغذاء، المواطن أم التاجر أم الجهاز المركزي الجديد، ومن سيجبر على التوقف عندما تغلق المنافسة أبوابها.