بين جدران السجن الباردة، يقف طالب في الحادية والعشرين من عمره في مواجهة محاكمة ثقيلة بسبب تضامنه مع غزة، بينما يخوض في الوقت ذاته معركة أخرى أكثر قسوة مع المرض والإعاقة، وسط مطالبات حقوقية بالإفراج عنه.
فبين جلسات القضاء وتحديات الحياة اليومية، تتصاعد الأصوات الحقوقية مطالبة بمنحه فرصة للحرية والعلاج، في قصة تختلط فيها المعاناة الإنسانية بأسئلة العدالة والحق في الرعاية والحياة الكريمة.
فقد طالبت “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” بإخلاء سبيل الطالب محمد وليد عبد المنعم، البالغ من العمر 21 عامًا، بالتزامن مع انطلاق أولى جلسات محاكمته أمام الدائرة الثانية جنايات بدر في القضية رقم 2806 لسنة 2024 حصر أمن الدولة، محذرة من أن استمرار حبسه الاحتياطي لأكثر من عامين يهدد حياته في ظل ظروفه الصحية الصعبة.
وقالت إن محمد، طالب في كلية الحاسبات والمعلومات في جامعة النيل، يعاني من تقزم شديد مصحوب بخلل في الهيكل العظمي، وانسداد كامل بفتحتي الأنف يجعله يعتمد على الفم في التنفس، فضلًا عن حاجته إلى تدخل طبي دوري لإزالة السوائل الزائدة على المخ. كما أشارت إلى انقطاعه عن متابعة علاجه النفسي منذ القبض عليه، رغم معاناته من الاكتئاب والقلق المزمنين.
وأُلقي القبض على محمد عندما كان في الـ19 من عمره، بسبب تضامنه مع غزة، قبل أن يظهر أمام نيابة أمن الدولة العليا بعد شهرين من احتجازه، “بتهمة تأسيس وقيادة جماعة إرهابية”، وهي القضية التي تضم تسعة متهمين، بينهم ثلاثة أطفال وأربعة شبان لا يتجاوز أكبرهم 21 عامًا، حسب المبادرة، التي أضافت أن محامِي محمد لم يتمكنوا حتى الآن من الاطلاع على أوراق القضية أو الأدلة التي تستند إليها الاتهامات.
واعتبرت المبادرة أن استمرار حبسه يتعارض مع الطبيعة الاحترازية للحبس الاحتياطي المنصوص عليها في القانون، كما يخالف الضمانات الدستورية والقانونية المتعلقة بالحق في الرعاية الصحية وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، مشيرة إلى أنه محتجز في مكان غير مهيأ لاستقبال شخص يحتاج إلى مساعدة في الحركة وقضاء احتياجاته اليومية.
وطالبت المبادرة بالإفراج عنه مع استمرار محاكمته وهو مخلى سبيله، وفتح تحقيق في أسباب استمرار احتجازه رغم حالته الصحية والإعاقة التي يعاني منها.
في سياق متصل، نفت وزارة الداخلية في حكومة الانقلاب ما وصفته بـ”مزاعم” لجماعة الإخوان المسلمين بشأن الأوضاع داخل السجون، بعد ساعات من نشر منظمة جوار الحقوقية المستقلة، تقريراً رصد دخول عشرات السجناء في عنبر 3 في سجن الوادي الجديد في إضراب شامل عن الطعام منذ الخميس الماضي احتجاجًا على ما وصفته بظروف الاحتجاز القاسية، ومحاولة 13 محتجزًا الانتحار خلال يومي الخميس والسبت، في تصعيد للاحتجاجات داخل السجن.
وقالت الوزارة، في بيان، إن ما تداولته إحدى الصفحات التابعة للجماعة على وسائل التواصل الاجتماعي، بشأن محاولة عدد من نزلاء أحد مراكز الإصلاح والتأهيل الانتحار، “لا أساس له من الصحة”، معتبرة أنه يأتي في إطار “محاولات الجماعة الإرهابية لإثارة البلبلة ونشر الشائعات”، ومؤكدة اتخاذ الإجراءات القانونية بحق مروجي تلك الادعاءات، وهو النفي الذي جاء متسقًا مع الصيغة التي تعتمدها الوزارة عادةً في الرد على التقارير والاستغاثات المتعلقة بأوضاع السجون، إذ تؤكد باستمرار تمتع جميع النزلاء بحقوقهم وتلقيهم الرعاية اللازمة داخل مراكز الإصلاح والتأهيل.
وكانت مؤسسة جوار قالت إن معتقلي عنبر 3 في سجن الوادي الجديد يواجهون الموت البطيء داخل زنازين تحولت إلى أفران مغلقة في هذا الحر الشديد ما دفعهم للدخول في إضراب شامل منذ يوم الخميس الماضي.
واتهمت المؤسسة، إدارة السجن بتعمد خنق المعتقلين وتتجاهل الحالات المرضية تمامًا مع تقليص أوقات التريض ما أدى إلى انتشار حالات الاختناق وتدهور الوضع الصحي للجميع بشكل ينذر بكارثة حقيقية.
ولفتت إلى أن مام هذه القسوة الممنهجة وانعدام أبسط حقوق الحياة تم تسجيل 13 محاولة انتحار خلال يومين فقط، بدأت بمحاولتين يوم الخميس الماضي، وتبعتهما 11 محاولة يوم السبت الماضي في صرخة غضب ورفض لهذا الجحيم.

