كشفت شكاوى متصاعدة لكثيرين من المواطنين في مصر عن اختفاء مبالغ من رصيد عدادات الكهرباء مسبقة الدفع بعد الشحن، إذ تحدث مشتركون عن شحن 100 جنيه لا يظهر منها إلا نحو 50 جنيهًا، وعن مديونية مفاجئة وصلت إلى 5300 جنيه، وهو ما فتح أزمة ثقة جديدة في منظومة التحصيل.
وتأتي هذه الشكاوى وسط ضغط معيشة يطارد الأسر مع كل فاتورة وخدمة، بعدما تحولت الكهرباء من مرفق يومي إلى مصدر استنزاف مباشر للدخل، بينما تترك الحكومة المواطن أمام عداد يخصم بسرعة ويقدم تفسيرات بطيئة ومجزأة.
العداد يتحول إلى صندوق تحصيل
بدأت الأزمة من شهادات مواطنين أكدوا أن الرصيد اختفى دون أقساط أو مديونيات ظاهرة، حيث قال إسلام جمعة إنه شحن الكارت بـ100 جنيه، ثم فوجئ بأن الرصيد الذي نزل يقارب 50 جنيهًا فقط.
وبحسب رواية جمعة، فقد كان العداد قبل الشحن بيوم واحد يظهر أكثر من 70 جنيهًا، بينما لم يكن عليه سلف أو أقساط متأخرة، وهو ما جعل الخصم يبدو كأنه عملية منفصلة عن الاستهلاك الفعلي.
وفي حالة أخرى، قالت أميرة أبو السعود إنها ذهبت لشحن الكارت رغم وجود رصيد داخل العداد، لكنها فوجئت بظهور مديونية قدرها 5300 جنيه، ثم أخبرتها الشركة أن المبلغ أكبر وأنه قسط لتسويات قديمة.
غير أن شهادة أبو السعود تكشف جانبًا أكثر خطورة، لأنها تؤكد أن العداد كان كارتًا من البداية وليس عدادًا قديمًا جرى تغييره، بما يطرح سؤالًا مباشرًا حول مصدر التسويات القديمة ومن أضافها إلى الحساب.
هنا لا تبدو المشكلة في الخصم وحده، بل في غياب كشف مفهوم يسبق الخصم أو يرافقه، لأن المواطن يدفع أولًا ثم يضطر إلى البحث عن تفسير داخل شركة الكهرباء بعد أن يكون الرصيد قد اختفى.
ومن زاوية العدالة الاجتماعية، تؤكد الباحثة سلمى حسين أن خطط خفض دعم الطاقة أخفقت في حماية ملايين المصريين من السقوط تحت خط الفقر، وأن العبء انتهى إلى تحميل الفقراء ومتوسطي الدخل كلفة لا تناسب دخولهم.
وبذلك يصبح عداد الكهرباء جزءًا من مسار أوسع، لا مجرد جهاز داخل شقة، لأن الخصم الآلي يترجم قرارات رفع الدعم والرسوم والتسويات إلى اقتطاع فوري من جيب الأسرة دون تفاوض أو إنذار.
رسوم وفرق شرائح وأقساط تطارد الكارت
علقت أميرة أبو شقة، عضو مجلس النواب السابقة، بسخرية على الأزمة، وقالت إن شحن العداد الكودي صار تجربة تبدأ بمبلغ محترم وتنتهي بسؤال المواطن لنفسه هل شحن كهرباء أم دفع مقدم شقة.
وأضافت أبو شقة أن المواطن قد يشحن 500 جنيه، ثم تبدأ الاستقطاعات من رسوم خدمة وفرق شرائح ودعم مرفوع ودمغات ومصاريف، لينتهي صافي الرصيد بمبلغ يكفي لتشغيل لمبة حمام ومروحة على وضع ضعيف.
ويكشف هذا التعليق أن الغضب لم يعد حبيس منشورات المواطنين، بل انتقل إلى خطاب عام يرى في العداد الذكي جهاز تحصيل سريع، يعرف كيف يخصم في ثوانٍ لكنه لا يشرح أين ذهبت الأموال.
وتقول شركات الكهرباء إن الخصومات قد ترتبط بمقابل خدمة العملاء والرسوم والدمغات وفرق الشرائح والأقساط والمديونيات، لكن المشكلة أن هذه البنود لا تظهر للمستهلك بصياغة واضحة عند كل عملية شحن.
كما يتسبب عدم ضبط تاريخ العداد في احتساب الاستهلاك داخل فترة مختلفة أو شريحة أعلى، وفق ما تذكره التوجيهات المتداولة للمستهلكين، وهو خلل تقني يدفع المواطن ثمنه قبل إثبات سببه.
وتتراوح رسوم خدمة العملاء حسب شرائح الاستهلاك من جنيه واحد إلى 40 جنيهًا، لكنها تخصم تلقائيًا مع نهاية الشهر أو عند الشحن، فتظهر للمواطن كأن جزءًا من الشحنة تبخر قبل الاستخدام.
وفي السياق نفسه، يرى الباحث الاقتصادي أسامة دياب أن إنهاء دعم الطاقة في مصر لم يحقق وعد الحماية الاجتماعية، بل ساهم في تضخم تنازلي يضغط بقوة أكبر على الشرائح الأقل دخلًا.
وتدعم قراءة دياب فهم الأزمة، لأن الاستقطاع من كارت الكهرباء لا يحدث داخل فراغ، بل داخل سياسة مالية تنقل عبء العجز والطاقة إلى المستهلك الصغير، ثم تطالبه باعتبار الخصم إجراءً طبيعيًا.
المواطن مطالب بإثبات أن الرصيد اختفى
تحدد الإجراءات الرسمية أول طريق للاعتراض بالتوجه إلى شركة الكهرباء التابعة للمستهلك، خصوصًا قسم الدعم التجاري أو خدمة العملاء، وطلب كشف استهلاك تفصيلي يوضح عمليات الشحن والخصم وقيمة كل مبلغ.
ويفترض أن يكشف هذا المستند ما إذا كان الخصم مرتبطًا بالاستهلاك أو الرسوم أو الأقساط أو المديونيات، لكنه يضع عبء الإثبات على المواطن الذي لم يحصل مسبقًا على بيان مفهوم عند الخصم.
وإذا ظهرت خصومات غير واضحة، يستطيع المشترك طلب فحص فني للعداد والكارت للتأكد من عدم وجود عطل فني أو خلل برمجي، مع إحضار آخر إيصال شحن وصورة حديثة للعداد.
وتساعد صورة العداد على مراجعة القراءة الحالية وعدد الكيلووات المستهلكة، لكنها تكشف أيضًا مفارقة واضحة، إذ يتحول المواطن إلى جامع أدلة في مواجهة منظومة تملك البيانات كاملة ولا تشرحها طوعًا.
وعند فشل الحل داخل الشركة، يستطيع المشترك التصعيد عبر الخط الساخن 121، أو عبر المنصة الموحدة لخدمات الكهرباء، أو من خلال واتساب الشركة القابضة على الرقم 01034942060، أو عبر جهاز تنظيم مرفق الكهرباء.
كما يستطيع المواطن تقديم شكوى إلى جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك عبر البريد الإلكتروني المخصص للشكاوى، أو اللجوء إلى منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة التابعة لرئاسة مجلس الوزراء على الرقم 16528.
لكن هذه المسارات لا تلغي جوهر الأزمة، لأن كثرة أبواب الشكوى لا تعني سهولة الإنصاف، خصوصًا عندما يبدأ كل مسار بطلب مستندات وردود وفحص، بينما يبقى الرصيد المخصوم خارج يد المواطن.
ومن داخل الملف نفسه، ظهر أثر عداد الكهرباء في مبادرة سكن لكل المصريين 5، بعدما جرى قبول 6630 تظلمًا من مرفوضين بسبب امتلاك عداد كهرباء، بما يوضح كيف يتحول العداد إلى قرينة إدارية ضد المواطن.
وفي البرلمان، أثار تطبيق الشريحة الموحدة للعدادات الكودية غضبًا جديدًا، بعدما انتقد نواب محاسبة بعض المستهلكين بسعر موحد، واعتبروا الخصم المسبق لفروق الأسعار سببًا في استنزاف سريع لأرصدة الشحن.
ويربط الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني هذه الأزمات بمنهج أوسع في إدارة الدعم، إذ يحذر من تضخيم بنود الدعم وتآكل قيمته مع التضخم، وهو ما يجعل المواطن يدفع أكثر بينما تتراجع الحماية الفعلية.
ولذلك تبدو أزمة عدادات الكهرباء أكبر من خطأ شحن عابر، لأنها تكشف نظامًا يخصم قبل أن يشرح، ويطالب المواطن بالثقة في أكواد لا يفهمها، ثم يحيله إلى الشكاوى بعد وقوع الضرر.
وفي النهاية، لا يحتاج المواطن إلى موعظة عن ترشيد الاستهلاك بقدر ما يحتاج إلى فاتورة مفهومة وكشف خصومات لحظي ومحاسبة معلنة لأي مديونية، لأن شعار المرحلة صار واضحًا في بيوت كثيرة: اتكهرب وانت ساكت.

