نفت وزارة الداخلية المصرية، في القاهرة، أنباء وفاة المهندس محمد خيرت الشاطر داخل محبسه، بعد تداول شائعة جديدة عن مصيره، لكن النفي الأمني أعاد فتح ملف منعه من الزيارة منذ سنوات.

 

وجاءت الواقعة في سياق إنساني أشد قسوة، لأن الشاطر، البالغ 76 عاما، يقبع داخل منظومة احتجاز مغلقة، بينما تعيش أسرته على أخبار متضاربة لا تسمح لها بطمأنة مباشرة أو تحقق مستقل.

 

النفي الأمني لا يبدد ظلام الزنزانة

 

بدأت الأزمة من منصات رقمية تتخذ عناوين ثورية مثل ثورة الغلابة وجمعة الغضب 2، ثم نشرت أنباء مغلوطة عن وفاة الشاطر، قبل أن تتحول الشائعة إلى صدمة جديدة لعائلة محاصرة بالغموض.

 

وبعد ساعات من التداول، تعاملت الداخلية مع الخبر بمنطق النفي والاتهام، فوصفت الأنباء بأنها شائعات، وادعت توافر الرعاية الصحية، لكنها لم تقدم دليلا عمليا يتيح لأسرته رؤيته أو سماع صوته.

 

في المقابل، ترى منظمات حقوقية أن النفي الرسمي يفقد قيمته عندما يصدر من الجهة نفسها التي تمنع الزيارة والمراسلات والمحامين، لأن التحقق لا يتم بالبيانات، بل بفتح الزنازين أمام الرقابة القانونية.

 

ويخدم رأي الحقوقي حسام بهجت هذا المحور مباشرة، إذ يرى أن السجن والخوف منه لا يصلحان كأداة حكم، وهي خلاصة تضع شائعة الشاطر داخل سياسة أوسع من إدارة المجال العام بالحبس.

 

كما أن استمرار احتجاز الشاطر منذ يوليو 2013، مع نقله من سجن العقرب إلى مركز بدر 3، جعل حالته نموذجا لتراكم العقوبة خارج منطوق الأحكام، حيث يتحول الحرمان من الزيارة إلى عقوبة مضافة.

 

وتضاعفت خطورة الشائعة لأنها جاءت بعد سنوات من الانقطاع الكامل تقريبا، فقد قالت أسرته مرارا إن الأب ممنوع من الزيارات العائلية والرسائل ومقابلة المحامي، وهو ما يجعل أي شائعة قابلة للانفجار.

 

صرخة الأسرة تكشف كلفة التعتيم

 

وعبرت سارة خيرت الشاطر عن الكلفة النفسية للشائعة بوضوح، حين ناشدت ناشري الأخبار أن يتقوا الله في أسرتها، مؤكدة أن العائلة لم تر والدها منذ 10 سنوات ولا تعرف عنه شيئا.

 

وبحسب كلماتها، لم تعد الأسرة تواجه غياب الأب وحده، بل تواجه بلاء مضاعفا يصنعه تداول غير متثبت، لأن كل خبر وفاة يفتح جرحا جديدا ثم يترك العائلة بلا إجابة حقيقية.

 

ومن هنا تتحول الشائعة من خطأ إعلامي إلى إيذاء عائلي مباشر، لأن النظام يغلق طريق التثبت، ثم تملأ المنصات الفراغ بخبر غير موثق، وتدفع العائلة الثمن النفسي وحدها.

 

وتخدم قراءة المحامي الحقوقي خالد علي هذا السياق، لأنه ربط أزمة السجون بضرورة الإفراج عن المعتقلين السياسيين ووقف تجميل الصورة، وهو طرح يجعل حق الزيارة مدخلا أساسيا لإنهاء التعذيب المعنوي.

 

كذلك لا تقف معاناة آل الشاطر عند الأب، فقد امتدت الضغوط إلى الزوجة عزة أحمد توفيق، التي ظهرت في صور متداولة جالسة على الرصيف أمام المحاكم، بحثا عن لحظة رؤية أو خبر.

 

وتقول روايات حقوقية إن أبناءه سعد والحسن، وابنته عائشة، وعددا من أزواج بناته، تعرضوا للاعتقال أو الملاحقة، بما يحول اسم العائلة إلى عبء دائم يتجاوز حدود الاتهام الفردي.

 

لذلك تبدو حالة الأسرة أقرب إلى عقاب جماعي ممتد، لأن السلطة لا تعزل المحتجز وحده، بل تعزل أسرته عن الحق في المعرفة، وتتركها رهينة باب سجن مغلق وخبر مجهول المصدر.

من العقرب إلى بدر 3.

 

عاد آخر ظهور علني موثق للشاطر إلى يناير 2022، خلال جلسة بمحكمة انعقدت في القضية رقم 955 لسنة 2017، حين اشتكى أمام هيئة المحكمة من الحبس الانفرادي ومنع الزيارة وغياب الرعاية.

 

ووفق شهادات حقوقية، بدا الشاطر في تلك الجلسة مرهقا وواهن الجسد، وقال إنه كان يبلغ 72 عاما، ومحبوسا في زنزانة انفرادية، ولا يتلقى العناية الصحية اللازمة، رغم تقدمه في العمر.

 

ثم قررت المحكمة استمرار الحبس ومنع الزيارة، من دون فتح تحقيق علني في الشكوى، وهو قرار جعل الاستغاثة نفسها دليلا إضافيا على عجز المسار القضائي عن حماية الحد الأدنى من الحقوق.

 

ويضع الحقوقي أحمد مفرح، المدير التنفيذي للجنة العدالة، هذا الملف داخل نمط أوسع من الانتهاكات، إذ شدد سابقا على مسؤولية السلطات الكاملة عن أوضاع مراكز الاحتجاز ومنع الإفلات من العقاب.

 

كما وثقت منظمات حقوقية أوضاعا قاسية داخل مجمع بدر، شملت قيودا على الزيارات، وتأخر جلسات التجديد، وشكاوى من الإهمال الطبي، بما يجعل بدر امتدادا لسياسة العقرب لا بديلا إنسانيا عنه.

 

وفي ظل هذه الخلفية، أثار معلقون مخاوف من أن تكرار شائعة الوفاة ثم نفيها قد يستخدم لاختبار ردود الفعل أو لتطبيع فكرة موت المعارضين داخل السجون قبل حدوثها فعليا.

 

وأشار الكاتب أحمد هلال إلى أن السلطة تطلق الشائعات ثم تنفيها، بينما ربط محمد صلاح نجم تكرار الأخبار المتضاربة بقلق من تصفية المعارضة داخل السجون، وسط انسداد كامل لقنوات الاطمئنان.

 

ولا تعني هذه المخاوف تبني كل ما ينشر على المنصات، لكنها تكشف أن التعتيم الرسمي هو البيئة التي تمنح الشائعات قوة الانتشار، لأن غياب الزيارة يجعل الخبر الكاذب أحيانا المصدر الوحيد.

 

وتطالب منظمة عدالة ومنظمات حقوقية أخرى بوقف تنفيذ أحكام الإعدام في القضايا السياسية، والإفراج عن سجناء الرأي، وإنهاء العقاب الجماعي، وفتح أبواب الزيارات بوصفها حقا لا منحة أمنية.

 

هكذا لا تكشف شائعة وفاة خيرت الشاطر أزمة منصة أخطأت فقط، بل تكشف منظومة صنعت فراغا قاتلا حول محتجز مسن، ثم تركت عائلته بين بيان أمني لا يطمئن وخبر كاذب لا يرحم.

 

وتبدأ المسؤولية المهنية من التثبت قبل النشر، لكنها لا تنتهي عند الصحفيين والناشطين، لأن الجهة التي تمنع الزيارة وتغلق باب المحامي هي التي تصنع السوق السوداء للأخبار داخل السجون.