سليم عزوز

كاتب وصحافي مصري

 

رحمة بعقولنا..

 

فمن العبث تصوير بلطجي مصر الأول، صبري نخنوخ، على أنه كان حمامة السلام، وأن عملية الإنزال عليه، والقبض والتفتيش والتحفظ على الأموال، انتصار لدولة القانون، التي تقف في مواجهة خارجٍ عليها، فكان لا بد من القبض عليه وتقديمه لجهات التحقيق، وكأن هذا الفساد كان بين عشية وضحاها، وأن المذكور كان قبل ذلك مواطنا صالحا، يذود عن حياض الوطن ويحمي حدوده!

 

هل فوجئت السلطات حقا بأن نخنوخ بلطجي؟ هل فوجئت فعلا بما كشفه محضر التحريات من أن له سوابق تم حصرها في 55 قضية؟ من المؤكد أنه لم يقدم بسببها إلى المحاكمة، ليفصل القضاء فيما إذا كان بريئا فتسقط هذه الاتهامات، أو مدانا فيكون مكانه الآن في السجن عقابا عليها، الأمر الذي يجعلنا أمام مأساة حقيقية، جرت في "دولة القانون"، فمن أسبغ عليه حمايته لتظهر هذه القضايا فقط في التحريات؟

 

لقد روج الإعلام الحكومي في مصر أن الشعب المصري سعد بالإجراءات الأخيرة ضد نخنوخ، وليس لدينا وحدة قياس للرأي العام للتأكد من صحة هذا الترويج، لكن ألا يعلمون أنهم بذلك يدينون هذا الحضور المبالغ فيه له، وهو أمر لم يحدث من قبل سوى في السنوات الأخيرة، وقد كان بلطجيا محترفا، يقود جيشا من الشبيحة الخارجين على القانون، لكنه لم يتحول إلى نجم سوى في السنوات الأخيرة، حيث أصبح عنوانا من عناوين المرحلة، تنشر المواقع الإلكترونية نشاطه وخط سيره، فمن مكّنه من ذلك؟ وكيف يمكن تفسير سعادة الناس بما جرى له، إذا صح ما يروجون له؟!

 

الشماتة في بلطجي

 

قياس الرأي العام هو ما يتم تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولا أعتقد أنها تصلح للقياس وإثبات انشغال الناس بالأمر، وكثير ممن ينشرون يفعلون ذلك للترويج لصفحاتهم عندما يكونون جزءا من "الترند"، ولهذا فإن كثيرين يستدعون منشورات قديمة ومثيرة من أجل الهدف نفسه، ولكن هذا لا يمنع أن يلمس المرء حالة من الشماتة، لأن تكون هذه نهاية صبري نخنوخ، ليس فقط لأنه خارج على القانون، ولكن لأنه لم يعد هذا البلطجي الذي يعمل في الخفاء، ولكن قربه من المرحلة جعله يتخطى الرقاب ويتصدر المشهد، بما ينتجه هذا من تخريب للمجتمع أن يكون هذا الشخص هو أحد نجومه، لاكتمال المهمة بأن فنان مصر الأول بحسابات اللحظة هو نموذج للبلطجة، وقد فشلت مهمة صناعته نجما برغم الإنفاق المالي الكبير، والفرص التي حصل عليها!

 

هل فوجئوا فعلا بأن في حوزة نخنوخ أسلحة آلية ومدافع غير مرخصة؟ هل من الجائز أن يبدو أمامنا هكذا، وللرجل صور بهذه الأسلحة وتلك المدافع منتشرة، وهي نوعية من السلاح لا يبيح القانون ترخيصها؟ وهل كان مفاجأة فعلا أن يعثروا بالتفتيش على هذه الأسلحة، ويكتشفوا أن في حيازته كمية كبيرة من الذخيرة، وعددا من أسلحة الصوت، وهو يرأس شركة أمن بعد خروجه من السجن، وكان مدانا بالبلطجة بحكم قضائي، مُحيت آثاره، وجيء به في تحدٍ للقانون، ليتصدر المشهد ويرأس الشركة في تحدٍ واضح لفكرة دولة القانون؟ فمن عيّنه في هذا الموقع؟!

 

لقد بدأت البلاغات تتوالى، ولن يكون آخرها استيلاءه على جراج دون وجه حق، فهو كان يتصرف كأي خارج على القانون يتحرك في أمان بحسبانه ابن المرحلة، ويرأس شركة أمن، شبه مملوكة للدولة، في تقنين واضح لأعمال البلطجة. ومعلوم أن شركات الأمن الخاصة تستعين بضباط متقاعدين لرئاستها، فكيف لهذه الشركة أن يرأسها خارج على القانون بالواقع، والتحريات، وأحكام القضاء؟ أفلم يُطلب منه "فيش وتشبيه"، إن لم تصل إلى أسماعهم سوابقه؟!

 

ما بين نخنوخ وحبيب العادلي

 

لم أتفاعل مع خبر القبض على نخنوخ الذي أصبح "ترندا" في اللحظة الأولى لإذاعته، وقلت إن القراءة المتأنية تكون بالتجديد له بعد حبسه أربعة أيام، فإما أن يكون ذلك مجرد تصرف من قوة الأمن التي انتقلت إلى معرض السيارات، وهنا يمكن تدارك الأمر، فإن حدث التجديد فلا شك أننا أمام كمين نُصب له، وأن الأمر يتجاوز مهمة يفعلها على مدار الساعة، وهي استخدام القوة وممارسة البلطجة!

 

لقد أذاع نخنوخ من قبل أنه يحصل للناس على حقوقهم دون مقابل، ومر الأمر مرور الكرام، مع ما فيه من اعتراف بانتحال صفة ليست له، ففي الدولة الحديثة لا دور لأمثاله في الحصول على الحقوق، ليذكرنا بجريمة وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي أمام المحكمة، وهو يعترف بجريمة التنصت أمام القاضي، ومر الأمر دون محاسبة!

 

لقد اعترف العادلي في سابقة هي الأولى من نوعها بالتنصت على هواتف المواطنين، فإذا وجدوا من يخرج على الآداب العامة استدعوه ونصحوه وأرشدوه إلى الطريق المستقيم، في حين أن التنصت في حد ذاته جريمة، نهى عنها الدستور، قبل أن تجرمها القوانين. وهكذا فعل نخنوخ، ولم يسأل أحد عن المسوغ القانوني في الحالتين للقيام بمهام خارج حدود الوظيفة العمومية التي يشغلها كل منهما!

 

ما علينا، لقد تضخمت قضية نخنوخ، ولم تعد فقط مجرد اقتحام معرض سيارات واعتداء أحد مساعديه على محامٍ بالمعرض، والذي بدا أن موضوعه ليس أكثر من "كمين" نُصب للمذكور، فلم يعد أحد يتذكر هذه الأزمة، فقد أخذونا إلى الإثارة في الملف حيث عثروا، بجانب الأسلحة غير المرخصة، على مخدرات وقطع آثار، واحتجاز أشخاص بالقوة.. مرة أخرى هل كان كل هذا مفاجأة لهم؟!

 

عندما حدث هذا، تذكرت مقولة لنقيب الصحفيين الأسبق كامل زهيري تعليقا على القبض على الدكتور سعد الدين إبراهيم بتهمة النصب على الاتحاد الأوروبي في زمن مبارك، فقال: لقد داس على سلك مكشوف، وعندما نعرف ما فعل فهذا هو المانشيت!

 

لم يصدق أحد تحرك أصحاب القلوب الرحيمة غيرة على أموال الاتحاد الأوروبي، بالقبض على واحد كان معلوما عنه أنه مقرب من النظام، ورأس النظام نفسه، وفي أموال خاصة بشاعرة عربية، وربما أموال دولتها، رفض التدخل وقال لها أن تلجأ للقضاء، في قضية فساد يتعذر إثباتها!

 

لقد تحول الخوف على أموال الاتحاد الأوروبي إلى نكتة، فتم توسيع دائرة الاتهام، ولم يصدق الرأي العام في مصر إلا أنها قضية سياسية، وتبين بعد ذلك أنه نزاع على المنح الخارجية، بين جمعية دعم الناخبات لسعد الدين إبراهيم، وبين فكرة المجلس القومي للمرأة الذي بُعث لاحتكار الحديث باسم المرأة واحتكار المنح المقررة لذلك.

 

ولقد تذكرت مقولة كامل زهيري بما جرى مع نخنوخ: "لقد داس على سلك مكشوف"، فليس كون نخنوخ بلطجيا مفاجأة، كما أن كونه خارجا على القانون ليس خبرا!

 

دولة نخنوخ

 

لقد قالت إحدى الصفحات المهتمة بالتوثيق، إن نخنوخ بصفته رئيس شركة فالكون للأمن والحراسة رفض الاندماج في صندوق مصر السيادي.

 

ولا أسلّم بصحة ما نُشر، لكني لا أستطيع أن أساير دعاية أن ما جرى له صلة بدولة القانون، فقد تم انتهاك عرض القانون منذ الاستعانة رسميا بصبري نخنوخ، الذي وقع فيما يقع فيه أي قريب من السلطة، عندما يتصور أن الرؤوس تساوت، وأنه يستطيع أن يتعامل معها كما لو كانت صديقا على المقهى، وبين الحين والآخر يقع ضحايا للعلاقة دون دروس، ومنذ أزمة رجل الأعمال رشاد عثمان في عهد السادات، إلى حسام أبو الفتوح في عهد مبارك، لا أحد يتعظ!

 

وبين قول السادات لرشاد عثمان: خلي بالك من الإسكندرية يا حاج"، إلى إحالته لجهاز المدعي العام الاشتراكي فترة ليست طويلة، وما جرى مع حسام أبو الفتوح معروف، وسبق أن كتبت عنه هنا!

 

لقد كان نخنوخ دولة، فصار مقبوضا عليه ومتهما، ولا يمكن فهم هذا على أن مساعده صفع محاميا على وجهه، ليكون هذا المدخل لاكتشاف أنه متهم في 55 قضية، يا إلهي كم هي مفاجأة!

 

ربما يسعد البعض بخبر القبض على نخنوخ، بمقدار الخوف من إنشاء دولة الدعم السريع في مصر، بهذا الحضور الكبير للمذكور في الوقت نفسه الذي تم فيه استدعاء العرجاني للحضور في المشهد العام!

 

ورأيي أنه إذا كان لا يصلح استنساخ الحالة السورية الآن في مصر، فلا يصلح استنساخ الحالة السودانية أيضا، لأن الخارجين على القانون لا يمارسون أدوارهم الوظيفية لصالح السلطة إلا في حمايتها، وأن هذا الوضع الاستثنائي لن يصلح لتحوله إلى حميدتي، فهو أمر لن يقبله الجيش أو الشرطة، وعند الجد سيهرب من الميدان!

 

وقد رأينا كيف أن قوة من قسم الشرطة أمكنها أن تلقي القبض على نخنوخ ومساعديه، دون أدنى مقاومة، ودون أي محاولة للتمرد، تماما كما خضع نخنوخ نفسه لقرار القبض عليه في مرحلة سابقة، فلم تكترث قوات الأمن لفكرة الأسلحة الرشاشة التي يحملها، أو الحيوانات المفترسة التي يقتنيها، فكل هذا يتبخر ويصبح بلا أثر، وفي الأولى والآخرة هو مجرد خارج على القانون النائم، والذي لا يتم تطبيقه، وإن أثار الدهشة!

 

فلم يكن نخنوخ مفاجأة!