انتقدت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، في تقرير صادر لها منذ ساعات، التوسع في تطبيق عقوبة الإعدام داخل التشريعات المصرية، بعدما رصدت 105 تهم تستوجب العقوبة القصوى، موزعة على 85 مادة داخل 10 قوانين مدنية وعسكرية.
وجاء التقرير بعنوان “لماذا نطالب بإلغاء عقوبة الإعدام في مصر؟”، ليعيد فتح ملف الحق في الحياة داخل منظومة عدالة تواجه انتقادات واسعة بسبب المحاكمات الجماعية، وتوسع قوانين الإرهاب، وتحول الضمانات القانونية إلى إجراءات شكلية لا تمنع تنفيذ الحكم النهائي.
ترسانة قوانين تفتح طريق المشنقة
يرصد تقرير الجبهة المصرية خريطة واسعة لعقوبة الإعدام في التشريعات المصرية، حيث يتصدر قانون العقوبات القائمة بورود العقوبة في 42 مادة، يليه قانون القضاء العسكري بـ17 مادة، ثم قانون مكافحة الإرهاب بـ12 مادة.
وتتسع القائمة لتشمل قوانين مكافحة المخدرات، والأسلحة والذخائر، والطيران المدني، وتنظيم زرع الأعضاء البشرية، ما يعني أن العقوبة لم تعد محصورة في جرائم القتل العمد، بل امتدت إلى جرائم ذات طبيعة سياسية وأمنية وتنظيمية.
وتكمن خطورة هذه الخريطة في وجود نصوص فضفاضة تسمح بتطبيق الإعدام على أفعال لا ترتبط دائمًا بإزهاق الروح، خصوصًا في قوانين مكافحة الإرهاب التي تخلط بين ارتكاب الجريمة والتحريض عليها أو الشروع فيها.
ومن هنا يحذر التقرير من أن التوسع التشريعي يفتح الباب أمام أحكام جماعية لا تفحص المسؤولية الفردية لكل متهم بدقة، ويحوّل شعار العدالة الناجزة إلى مسار عقابي سريع في قضايا شديدة الحساسية.
كما يستعيد التقرير موقع مصر في قوائم تنفيذ الإعدام عالميًا، مشيرًا إلى احتلالها المرتبة الثالثة عالميًا عام 2020 بعد الصين وإيران، وهو ترتيب يعكس اتساع الاستخدام لا مجرد وجود العقوبة داخل القانون.
وتأتي هذه الخلاصة مع بيانات منظمة العفو الدولية التي قالت إن مصر نفذت 23 حكم إعدام في عام 2025 مقابل 13 في العام السابق، بينما أصدرت المحاكم 492 حكمًا بالإعدام خلال العام نفسه.
ضمانات قانونية تتحول إلى إجراءات شكلية
لا ينكر تقرير الجبهة المصرية وجود ضمانات قانونية تسبق تنفيذ حكم الإعدام، مثل اشتراط إجماع آراء القضاة داخل الدائرة، واستطلاع رأي مفتي الجمهورية، وعرض أحكام الإعدام وجوبيًا على محكمة النقض.
لكن التقرير يقول إن هذه الضمانات فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها العملية، لأن إجماع القضاة يظل واردًا في مدونات الأحكام فقط، من دون وسيلة مستقلة للتأكد من موافقة كل عضو كتابة وبشكل واضح.
ويصف التقرير دور مفتي الجمهورية بأنه تحول إلى إجراء بروتوكولي، خصوصًا أن المهلة المحددة لإبداء الرأي لا تتجاوز 10 أيام، وهي مدة لا تكفي لمراجعة ملفات معقدة تضم مئات أو آلاف الصفحات.
وتزداد خطورة هذا الخلل عندما تصدر أحكام إعدام في قضايا جماعية، لأن فحص دفوع كل متهم يحتاج وقتًا وإجراءات فردية دقيقة، لا مجرد مرور إداري على أوراق ضخمة قبل تأييد العقوبة.
كما يتوقف التقرير أمام ما يسميه قسوة التنفيذ، حيث وثقت الجبهة استمرار نهج سرية التنفيذ وحرمان الأهالي من الزيارة الأخيرة، ثم إبلاغهم لاحقًا باستلام الجثامين من المشرحة بعد تنفيذ الحكم.
ويشير التقرير إلى واقعة إعدام 9 أشخاص في نهار رمضان عام 2021، معتبرًا ذلك مخالفة للمادة 69 من قانون تنظيم السجون التي تحظر التنفيذ في الأعياد والمناسبات الدينية.
ويضيف التقرير بعدًا أكثر خطورة عبر رصد حالات لإعدام قاصرين، نتيجة تقدير أعمارهم أمنيًا بصورة خاطئة أو احتساب السن من تاريخ القبض بدلًا من تاريخ وقوع الجريمة المنسوبة إليهم.
دعوة لتعليق التنفيذ قبل فوات الأوان
يربط أحمد عطا الله، المدير التنفيذي للجبهة المصرية لحقوق الإنسان، الأزمة بغياب وحدة المعايير في تطبيق الإعدام، معتبرًا أن مصير الحق في الحياة لا يجوز أن يبقى خاضعًا بالكامل لتقدير القضاة وتوجهاتهم الشخصية.
ويوضح عطا الله أن بعض المحافظات ذات الطابع المحافظ تشهد توسعًا أكبر في أحكام الإعدام، خصوصًا في قضايا الشرف، بينما قد تنتهي وقائع مشابهة في محافظات أخرى إلى أحكام مختلفة تمامًا.
ويواجه التقرير حجة الردع التي يستخدمها مؤيدو العقوبة، إذ يقول عطا الله إن قطاعات مجتمعية واسعة تعتبر الإعدام وسيلة للقصاص، لكن الواقع لا يثبت تراجع جرائم مرتبطة بضغوط اقتصادية أو بما يسمى جرائم الشرف.
وتتجاوز الأزمة، وفق التقرير، جرائم القتل التقليدية إلى ترسانة قوانين واسعة تتضمن خلفيات سياسية، ما يجعل العقوبة قابلة للاستخدام في سياقات عقابية تتجاوز فكرة حماية المجتمع من الجريمة العنيفة.
لذلك تطرح الجبهة المصرية مطلبًا مرحليًا بتعليق تنفيذ عقوبة الإعدام مؤقتًا، بدل الاكتفاء بالدعوة العامة إلى الإلغاء الكامل، تمهيدًا لمراجعة تشريعية وقضائية واسعة تضمن محاكمات عادلة ومعايير واضحة.
وتدعو الجبهة إلى حوار مجتمعي حقيقي تشارك فيه القوى الحقوقية المستقلة، بهدف الوصول إلى أطر تشريعية أكثر تقدمًا توازن بين العدالة وحماية الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الحياة.
في النهاية، لا يطرح التقرير سؤالًا قانونيًا ضيقًا حول عدد المواد والتهم فقط، بل يضع الدولة أمام مسؤولية مباشرة عن عقوبة لا يمكن التراجع عنها إذا ثبت خطأ الحكم بعد التنفيذ.
ولهذا تبدو الدعوة إلى تعليق الإعدام في مصر خطوة ضرورية، لأن العدالة التي تملك سلطة إنهاء الحياة يجب أن تقدم ضمانات أقوى من إجراءات شكلية، ومحاكمات أعدل من مسارات جماعية، وقانونًا أضيق من نصوص فضفاضة.

