بقلم الدكتور عبد الله سيف
أثارت الوفاة المفاجئة للأكاديمي المرموق الدكتور خالد فهمي، رئيس دار الوثائق المصرية الأسبق، موجة عارمة من الحزن والرثاء النبيل التقت فيها كافة أطياف النسيج الوطني والفكري في المجتمع. لم يكن هذا الإجماع العفوي مجرد تكريم لقامة علمية فذة، بل كان تجسيداً لتعطش المجتمع العميق للحظات تلتقي فيها القلوب والعقول فوق الخلافات السياسية والأيديولوجية الضيقة.
لكن، وبدلاً من أن تكون هذه "المظاهرة الوطنية في حب الفقيد" دافعاً لتقريب وجهات النظر والاحتفاء برصيد الوطن من الكفاءات، استغلتها بعض المنابر الإعلامية كذريعة لإحياء نبرة التحريض، والحديث عن "التطهير"، وتوزيع اتهامات "الخلايا النائمة" على كل صاحب رأي مستقل أو موقف أكاديمي نزيه لا يسير في ركاب الموالاة المطلقة. إن هذا المشهد يعيد إلى الأذهان أشباح "المكارثية" السوداء التي عاشتها مجتمعات أخرى في القرن الماضي، حيث تحول الخوف والتحريض إلى معيار لإقصاء العلماء والمفكرين وتدمير البيئات العلمية والسياسية.
إن حماية مجتمعاتنا من الانزلاق نحو هذا النفق المظلم ليست مسؤولية جهة دون أخرى، بل هي ضرورة وطنية تتطلب من الجميع الوقوف أمام مرآة الحقيقة وإعلاء قيم المواطنة والعدالة. ومن هنا، نتوجه بهذه الرسائل المفتوحة:
أولاً: إلى النظام الحاكم (الدولة ومسؤولية احتضان الكفاءات)
إن قوة الدول واستقرارها الحقيقي لا ينبعان من مطاردة الأفكار أو إقصاء المعارضين والمستقلين، بل من قدرتها على استيعاب التنوع وتحويل الخلاف الفكري إلى طاقة بناء.
- الرسالة: إن الاستماع للأصوات التي تحرض على "تطهير" الجامعات والمؤسسات بناءً على تصنيفات سياسية واهية هو فخ يستنزف عقول الوطن. لقد أثبتت واقعة الدكتور خالد فهمي أن القامات العلمية الحقيقية تفرض احترامها على الجميع بعلمها ونزاهتها، وليس بمدى مداهنتها للقرارات. إن الأمن الحقيقي هو "الأمن المجتمعي" الذي يشعر فيه الأكاديمي والعالم بأنه محصن بدستور بلاده وقوانينها، وأن معيار بقائه وترقيه هو الكفاءة والعطاء، لا الولاء السياسي الضيق.
ثانياً: إلى النخب الإعلامية (الوعي مسؤولية وليس أداة لتخوين المجتمع)
لقد تحولت منصات إعلامية عديدة، مع الأسف، من سلطة رابعة تنشر الوعي وتراقب الأداء، إلى منابر لتأليب السلطات ضد المثقفين وتوسيع الفجوات بين أبناء الوطن الواحد.
- الرسالة: إن جنون التحريض وصناعة "الهلع الجماعي" ضد الرموز الأكاديمية لمجرد اختلاف مواقفهم خطيئة مهنية وأخلاقية كبرى. الإعلام الواعي هو الذي يبني الجسور لا الذي يهدمها، وهو الذي يرى في إجماع الناس على حب عالم أو مفكر دليلاً على حيوية المجتمع، لا مبرراً للمطاردة وتلفيق التهم. تذكروا أن آلة التحريض إذا انطلقت فلن تتوقف عند فصيل معين، والتاريخ يعلمنا أن المحرضين غالباً ما يكونون الضحايا القادمين لنفس المقصلة التي صنعوها.
ثالثاً: إلى النخب السياسية (المواطنة كلٌّ لا يتجزأ)
إن الصمت أو التشفي الذي تبديه بعض النخب السياسية تجاه إقصاء فصيل أو قمع رأي مستقل، يمثل انتكاسة كبرى للوعي السياسي السليم.
- الرسالة: لا توجد "عدالة مجتزأة" ولا "حرية مشروطة"؛ فالظلم الذي يقع على خصمك اليوم أو على الشخصية المستقلة التي تختلف معها، سيمتد إليك غداً إذا شرعنت وجوده وصمتَّ عنه. يجب على النخب السياسية أن تجعل من مبدأ المواطنة الكاملة والعدالة الناجزة خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، وأن تدرك أن التمكين لسيادة القانون وحماية التعددية هما الصمام الوحيد لمنع التطرف المؤسسي والقيمي.
رابعاً: إلى المنظومة القانونية والقضائية (حصن الحقوق والضمانة الدستورية)
تظل المنظومة القانونية هي الحصن الأخير الذي يلجأ إليه المجتمع لحماية أفراده من شطط الاستقطاب وغوغائية الإعلام.
- الرسالة: إن كبح التطرف المؤسسي يتطلب تفعيلاً صارماً للمبادئ الدستورية التي تكفل حرية الرأي والبحث العلمي، والوقوف بحسم ضد أي تشريعات استثنائية أو ثغرات تسمح بفصل الموظفين والأكاديميين بناءً على شبهات سياسية أو تقارير كيدية دون محاكمات علنية وعادلة. العدالة تقتضي ألا يُضار مواطن في رزقه أو حريته بسبب فكره، ومهمتكم التاريخية هي صون هذا المبدأ لحماية استقرار المجتمع.
خامساً: إلى النخب الأكاديمية والجامعية (الحرم الجامعي واحة للعلم لا ساحة للوشاية)
الجامعات هي عقول الأوطان ومصانع مستقبلها، وتراجع قيم النزاهة الأكاديمية لصالح المواءمات الأمنية والتقارير الكيدية يعلن رسمياً وفاة البحث العلمي.
- الرسالة: إن أخطر ما يمكن أن يصيب الجامعة هو تحول زمالة العلم إلى صراع وشايات وتقارير، حيث يُتهم المتفوق وأصحاب الكفاءة من أمثال الراحل خالد فهمي بالخيانة أو العداء للدولة، ليصعد مكانهم الأقل كفاءة والأكثر مهارة في الوشاية. حافظوا على قدسية الحرم الجامعي، واجعلوا من التضامن الأكاديمي حائط صد ضد التدخلات الخارجية، فالتطور العلمي لا يزدهر إلا في بيئة من الحرية والأمان النفسي والوظيفي.
خاتمة: نحو ميثاق وطني ضد الإقصاء
إن رحيل الدكتور خالد فهمي وما تبعه من لغط أثاره المحرضون، يضع المجتمع بأسره أمام خيارين: إما الاستسلام لموجة مكارثية جديدة تأكل الأخضر واليابس وتفرغ المؤسسات من علمائها، وإما الاستفاقة وإعلاء قيمة المواطنة والعدالة المطلقة.
لقد حان الوقت لصياغة ميثاق شرف وطني يضع حداً للتطرف المؤسسي، ويعيد الاعتبار للعقل والكفاءة والضمير الإنساني كمعايير وحيدة لتقييم البشر وبناء الأوطان؛ فالدول لا تُبنى بالخوف والإقصاء، بل بالثقة والعدل وحرية العقول.

