محمود سلطان

كاتب وصحفي مصري

 

في مقاله المهم عن "أصل اللص"، يشرح كريس دبليو، تكتيكات اللص التقليدي: يتسلل من النافذة، صامتا هادئا. الغرفة من حوله مليئة برفوف الكتب، وخزائن العرض، تعرض الجوائز والكؤوس وغيرها من مظاهر الترف البراقة. لكنه يتجاهلها.. يتحرك عبر الأرضية بصمت تام، حتى يصل إلى هدفه: صندوق صغير مغلق مخبأ في زاوية.

 

يفتح القفل بأداة من حزامه، ويستخرج الجائزة الحقيقية: تمثالا من الذهب الخالص، يضعه في كيس، ويغلق الصندوق، ويتسلل خارج الغرفة عائدا من النافذة.. اختفى، ولم يعد له وجود.

 

بيد أن هناك من النقاد من قدم لنا ما يسمى بـ"اللص النبيل"، وهو نمط شائع في الأدب، ووسائل الإعلام الأخرى، لا سيما في أفلام السرقة: شخصية، غالبا ما تكون ذكرا، يرتدي ملابس أنيقة، ويتمتع بأخلاق رفيعة، ويعطي انطباعا بالثراء، ثم يسرق المال، أو الأشياء الثمينة.

 

من الأمثلة البارزة على "اللصوص النبلاء" في وسائل الإعلام: داني أوشن من ثلاثية أوشن، والسيد هيركول فلامبو من قصص الأب براون القصيرة والمسلسل التلفزيوني، وأرسين لوبين الذي ظهر في روايات وأفلام ومسلسلات أرسين لوبين.

 

فيما صنعت الحداثة الرأسمالية الغربية، نمطا آخر من اللصوص ـ اللص الشبح ـ لا يختفي بعد أن ينجز مهمته، واستنزاف ضحيته، بل يظل حاضرا بين ضحاياه، فاتحا شهيتهم وقابليتهم للسرقة، لا يتوقف للحظة أبدا، كسمكة القرش التي يجب أن تستمر في السباحة وإلا هلكت.

 

وبمضى الوقت يتحول إلى واحد منهم، ويدمنون "يده الطويلة"، يجري في شرايينهم مجرى الدم، بل ويمسي ـ هذا اللص الشبح ـ من بين المكونات الأساسية، للهوية الثقافية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإعلامية للدول.

 

كما يتحول إلى "أداة مشروعة" لسرقة الشعوب، بل ويعلِم بعضها، كيف تضع يدها في جيوب الآخرين، وفي جيوب مواطنيها المستمتعين بالغيبوبة داخل الإبهار الحداثي: إنها "السرقة" اللذيذة.

 

لا يمكن بحال نسيان، أن الحداثة ـ في أصولها التأسيسية ـ كانت هيكلا عالميا للصوصية. فهي في طبعتها الغربية المعتمدة منذ عقود طويلة، لم تأت من عبقرية الغرب، بل من سرقته للشعوب: فبدون ذهب الأمريكتين، وأجساد الأفارقة، وتوابل وأفيون آسيا، ما كان للحداثة أن توجد. ما كانت لأوروبا أن توجد من أصله. ما كان ليوجد سوى الإمبراطورية على حد تعبير سمير أمين.

 

هذا اللص الشبح، المتخفي خلف الحداثة الناعمة، حمل ريتشارد إم. إيبيلينغ ـ أستاذ الأخلاق بجامعة سيتاديل في تشارلستون، كارولاينا الجنوبية في مقال نشرته  "The Daily Economy" على القول :" لم يكن أحد في التاريخ، على حد علمي، فاحشا مثلنا. فحشنا لا يضاهى".

 

لقد أحالت الحداثة الإنسان إلى محض "شيء" لا حدود لرغباته: رغبات مفتوحة بلا سقف، لا تنظر إليه بوصفه إنسانا، وإنما بوصفه "حافظة نقود"، ويتعين عليه أن يبقيها مفتوحة، على مدار العمر حتى يوارى جسده التراب.

 

تشير دراسة أجرتها مؤسسة Uitvaartverzekering.nl ـ قارنت تكاليف الجنازات في 21 دولة ـ إلى أن "إكسسوارات الحداثة" أدت إلى ارتفاع تكاليف الدفن، ما جعل حرق الجثث الطريقة المفضلة عالميا.

 

ففي هولندا، يعد حرق الجثث الطريقة الأكثر شيوعا، إذ يمثل (68.3%) من الجنازات، وهي نسبة مماثلة لبلجيكا (68%)، وأقل بقليل من كندا (77%)، والمملكة المتحدة (80%).

 

لقد خلّفت ـ على سبيل المثال ـ 200 عام من الحداثة في أمريكا، وفرة هائلة من السلع للأغنياء والفقراء على حد سواء. فمتجر وول مارت النموذجي يضم 142 ألف صنف مختلف. ويمكن للمتسوق أن يشتري توتا أزرق في ديسمبر/كانون الأول مزروعا في تشيلي، وزهورا طازجة مستوردة جوا من كولومبيا، ولحم ضأن عضويا مستوردا من نيوزيلندا. أجهزة الكمبيوتر والتلفزيونات والهواتف المحمولة منتشرة في كل مكان، في الأحياء الفقيرة، وعلى متن اليخوت.

 

لقد أدى هذا التوحش لـ"الغول الحداثي" إلى إعادة "صناعة الإنسان"، ليكون صلصالا لينا وسهل التشكيل في يد "اللص الشبح" أو "الطابع الوثني للسلع"، على حد وصف جورج ستانسيو عالم الفيزياء في جامعة ميشيغان.

 

لقد سمّنت الحداثة ما يسميه دانيال ثورسون ثقافة "التناغم التكنولوجي"، وفي هذا النمط، يتحول الإنسان إلى تكنولوجيا: مورد يستغل ويحسّن أو يستغنى عنه. تصبح أجسادنا آلات بيولوجية قابلة للاختراق، وتصبح علاقاتنا تقنيات اجتماعية تدار، وعقولنا حواسيب تبرمج. حتى ممارساتنا الروحية تصبح أساليب لتحسين الذات.

 

يفرغ هذا الإطار التكنولوجي العالم من معناه، ويخلق ما أسماه البعض "الإنسان الآلي": كائنات تسيرها أنظمة معقدة من التبرير، والتعويضات الانفعالية.

 

هنا يبدأ بروز البعد السياسي للجمود، فالتوافق التكنولوجي ليس مجرد نمط شخصي، بل هو شكل من أشكال السيطرة الاجتماعية، حيث يسهل التلاعب بسكان آليين، منفصلين عن رغباتهم الحقيقية وذكائهم الفطري، واستغلالهم، إذ تتحول أنماطهم الوقائية إلى استجابات آلية، ويحول الألم الإنساني بسهولة إلى ربح.

 

كيف ـ إذن ـ ننزل التنظير الفلسفي ليكون أقرب رحما إلى وعي الناس العاديين؟! من الصعب أن يفسر عمل الحداثة الغيبي، بدون تجربة، والأخيرة بدورها تحتاج إلى ما يفسرها.

 

على سبيل المثال فإن زجاجة المياه المعدنية الصغيرة قد تشتريها من "محل" صغير في الشارع بـ"3 جنيهات"، إنه هناـ أي المحل ـ يبيع لك المياه وحسب.. ولكن في الفندق تدفع ما لا يقل عن 50 جنيها ثمنا لزجاجة المياه؛ لأنه يبيع لك الشكل: المبنى الفخم، شكل الفتاة التي تحمل إلى طاولتك الزجاجة.. فضلا عن شكلها "بيع الجسد"، فهي جميلة ترتدي تنورة قصيرة. هذا كله يضاف إلى الفاتورة التي تستلمها وتدفعها مسحوقا، راضيا، مستسلما.

 

الجامعات الخاصة، هي أيضا تعتمد على "الإبهار/الحداثة"ـ بيع الشكل لا المضمون: المبنى فندقي من نوع "فايف ستارز"، وربما أكثر، كل شيء فيه "يلمع". الفتيات جميلات وعلى آخر موضة، والشباب أكثر وسامة وشياكة. والعاملون "الموظفون" يرتدون أزياء باريسية.. العطور تنقلك إلى أجواء ناعمة وحالمة، تقطع صلتك بخارج المبنى الفظ و"المقزز"، ولعلك تكرهه وتلعنه وتتمنى أن تنفصل عنه نهائيا.

 

الشكل ـ في المجمل ـ يسحق من يدخله ويشعره بالدونية، ويجعله مستسلما لطلبات الجامعة الخيالية.. قل نفس الكلام عن "المولات" الضخمة "الهايبرات" التي قضت على ظاهرة "البقال/صغار التجار"، وبالتبعية على المجتمع التراحمي "البيع الشُكُك" للفقراء والمتعثرين من الجيران ولأهل "الحي".

 

يبقى أن أشير ـ هنا ـ إلى الخلاصة التي توصل إليها رجل الدين الأمريكي البارز الأب ستيفن فريمان، واعتقاده بأن الحجج التي تدعم نجاح الحداثة مضللة دائما. إذ يركز الاهتمام على النتيجة المرجوة فقط، بينما تتجاهل العواقب غير المقصودة التي تترتب عليها. الحداثة تنتصر دائما؛ لأنها تزيف الحقائق.