أعلن الأزهر الشريف أن مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد لم يعرض عليه رسميا، ولم يشارك في صياغته بأي شكل، رغم موافقة مجلس الوزراء على مشروع قانون الأسرة في 29 أبريل 2026، لتنفجر أزمة سياسية وتشريعية حول موقع الأزهر في قانون يمس ملايين الأسر.
وتكشف الأزمة مسؤولية الحكومة عن إدارة مرتبكة لملف اجتماعي حساس، لأن السلطة التنفيذية دفعت المشروع إلى المسار التشريعي قبل بناء توافق واضح مع الأزهر والمجتمع المدني، ثم تركت البرلمان يواجه غضب الأسر وأسئلة المرجعية والحقوق، بينما يتعامل المواطنون مع النفقة والحضانة والرؤية والطلاق كأزمات يومية لا تحتمل غموضا جديدا.
الأزهر خارج الصياغة والحكومة تفتح باب الشك
بعد بيان الأزهر، أصبح السؤال الأساسي ليس هل يملك الأزهر سلطة التشريع، بل لماذا لم تعرض الحكومة مشروع قانون الأسرة عليه مبكرا، فالمؤسسة الدينية أعلنت بوضوح أنها لم تشارك ولم تطلع على المسودة، وهذا الإعلان وحده يكشف خللا في ترتيب خطوات مشروع حساس.
في المقابل، أكد الأزهر أنه قدم في أبريل 2019 مقترحا متكاملا لقانون الأحوال الشخصية، عبر لجنة ضمت هيئة كبار العلماء وأساتذة متخصصين، وأنه لا يعرف مدى توافق المشروع المتداول مع هذا التصور، ما يجعل الحكومة مسؤولة عن تغييب جهد مؤسسي سابق بدل البناء عليه.
ثم أشار الأزهر إلى أنه سيبدي رأيه الشرعي فور إحالة المشروع إليه رسميا من مجلس النواب، وهذا الموقف لا يعطل البرلمان من الناحية الإجرائية، لكنه يضع الحكومة في موقف دفاعي، لأنها بدأت مسارا شديد الحساسية من دون إشراك المرجعية التي ينص الدستور على أخذ رأيها في مسائل الشريعة.
وفي هذا المحور، يخدم رأي الدكتور عباس شومان، وكيل الأزهر السابق وعضو مجمع البحوث الإسلامية، جوهر الأزمة، إذ أكد سابقا أن الأزهر وضع رؤيته المتكاملة في مشروع قدم للجهات المعنية، وأن هذه الجهات تملك الأخذ به أو رفضه، لكن التجاهل المبكر يضعف الثقة العامة في القانون.
لذلك لا تبدو أزمة الأزهر خلافا بروتوكوليا بين مؤسسات، بل أزمة ثقة في طريقة صناعة التشريع، لأن قانون الأحوال الشخصية لا يخص النخبة القانونية وحدها، وإنما يحدد مستقبل الأطفال والأمهات والآباء، ويؤثر في كل بيت يمر بخصومة أسرية أو نزاع على النفقة والحضانة والرؤية.
البرلمان يتمسك بالمسار ويتجنب سؤال التهميش
على الجانب الآخر، جاء تعليق النائب محمد فؤاد ليؤكد أن الأزهر ليس جهة تشريع، وأن المطالبات بعرض المشروع عليه قبل بدء المناقشة البرلمانية ليست دقيقة دستوريا، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن رأي الأزهر سيؤخذ خلال مراحل النقاش باعتباره جهة دينية مرجعية.
غير أن هذا التوضيح لا ينهي الجدل، لأن البرلمان يستطيع من الناحية الإجرائية استكمال مناقشاته، لكنه لا يستطيع سياسيا تجاهل مؤسسة يراها قطاع واسع من المصريين مرجعية في قضايا الزواج والطلاق والنسب والحضانة، خصوصا عندما تصدر المؤسسة نفسها بيانا ينفي المشاركة والصياغة.
كذلك أكد رئيس اللجنة المختصة بإعداد مشروعات قوانين الأسرة وجود تنسيق مع الأزهر، وذكر أن بعض المقترحات السابقة للأزهر أدرجت في المشروع، لكن هذا الكلام يحتاج إلى نصوص منشورة ومقارنات واضحة، لأن المجتمع لا يستطيع تقييم التنسيق من عبارات عامة لا تكشف المواد محل الخلاف.
وفي هذا السياق، يقدم رأي الدكتور صلاح فوزي، أستاذ القانون الدستوري وعضو اللجنة التشريعية بمجلس النواب، وظيفة مهمة داخل النقاش، إذ شدد على أن المادة 80 من الدستور تلزم الدولة بتحقيق المصلحة الفضلى للطفل، وأن رأي الأزهر يؤخذ في مسائل الشريعة المرتبطة بهذا القانون.
وعليه، تصبح المعضلة الحقيقية في الجمع بين اختصاص البرلمان وحق المجتمع في الاطلاع، لأن الحكومة لا تستطيع استخدام عبارة المسار الدستوري لإخفاء مسودة تمس الحقوق اليومية، ولا يستطيع البرلمان تحويل رأي الأزهر إلى إجراء لاحق فقط، بعد أن تتشكل المواقف داخل اللجان ويتحول الخلاف إلى معركة إعلامية.
قانون الأسرة يحتاج مجتمعا لا لجنة مغلقة
بعيدا عن الجدل المؤسسي، يظل قانون الأحوال الشخصية واحدا من أكثر القوانين التصاقا بحياة الناس، لأنه ينظم الزواج والطلاق والحضانة والنفقة والرؤية والاستضافة والولاية التعليمية، وهذه الملفات لا تتحمل صياغة فوقية، لأن كل كلمة في القانون تتحول داخل المحاكم إلى مصير أسرة كاملة.
ومن هنا، تظهر مسؤولية الحكومة في فتح حوار عام قبل دفع المشروع إلى البرلمان، لأن الأسر المصرية لا تعاني من نقص النصوص فقط، بل تعاني من بطء التقاضي، وصعوبة تنفيذ أحكام النفقة، وتعسف بعض الأزواج، ومخاوف بعض الآباء من الإقصاء، وغياب آليات تحمي الطفل من الصراع.
كما تخدم تصريحات عزة سليمان، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة قضايا المرأة المصرية، هذا المحور بوضوح، لأنها أكدت أن قانون الأحوال الشخصية له أبعاد اجتماعية ونفسية وجندرية وليست قضائية فقط، وأن وضع القانون يحتاج إلى النظر في الاحتياجات الفعلية للناس لا الاكتفاء بتشكيل قضائي ضيق.
وبذلك يصبح الخلاف مع الحكومة أوسع من سؤال الأزهر وحده، لأن المجتمع المدني والحقوقيين وخبراء النفس والاجتماع والأمهات والآباء يحتاجون إلى مساحة معلنة قبل صدور القانون، وإلا فإن السلطة ستكرر خطأ التشريع المغلق، ثم تكتشف بعد التطبيق أن المحاكم تلقت أزمة جديدة بدل حل القديمة.
في النهاية، لا يحق للحكومة أن تتعامل مع قانون الأسرة كملف إداري عادي، لأن غياب الأزهر عن الصياغة، وتأخر الحوار المجتمعي، وغموض المواد المتداولة، كلها عناصر تصنع قانونا محاطا بالشك قبل أن يصل إلى التصويت، وهذا مسار لا يخدم الأسرة ولا يحمي الطفل.
في المحصلة، كشفت أزمة قانون الأحوال الشخصية أن الحكومة وضعت البرلمان والأزهر والمجتمع في مواجهة كان يمكن تجنبها، لو نشرت المسودة مبكرا، وأعلنت مواد الخلاف، وقدمت مقارنة بين مشروع 2019 والمشروع الحالي، وفتحت بابا منظما للاستماع إلى الأسر والخبراء والمؤسسات.
ومن ثم، فإن السؤال لم يعد هل الأزهر جهة تشريع أم لا، لأن البرلمان هو صاحب الاختصاص التشريعي، بل هل تعمدت الحكومة تأخير المرجعية الدينية والاجتماعية حتى يصبح رأيها لاحقا ومحدود الأثر، وإذا حدث ذلك فإن الأزمة اسمها تهميش سياسي لقانون يحدد مصير الأسرة المصرية.

