كشف الدكتور ياسر الهضيبي، عضو مجلس النواب، في طلب إحاطة موجه إلى الحكومة ووزير الصحة، عن وجود 9988 سرير عناية مركزة فقط لخدمة 107 ملايين مواطن، بما ينتج عجزاً يقارب 50%.

 

في المقابل، لا تبدو الأزمة رقماً طبياً بارداً، بل فضيحة سياسية وإنسانية لنظام يرفع شعارات الجمهورية الجديدة، بينما يترك الأسر المصرية تطوف بالمريض الحرج بين المستشفيات بحثاً عن فرصة حياة.

 

 

العناية المركزة بين الرقم والفاجعة

 

وبالتالي، تتحول العناية المركزة من خدمة طبية منقذة إلى امتحان طبقي قاس، حيث يملك الغني بدائل المستشفيات الخاصة، بينما يقف الفقير أمام هاتف الطوارئ وأبواب الاستقبال وقوائم انتظار غير معلنة.

 

كما أن الهضيبي أكد أن أسرة العناية المركزة تمثل مؤشراً حاسماً لكفاءة المنظومة الصحية، لأنها خط الدفاع الأخير أمام الحوادث والأزمات والحالات الحرجة التي لا تحتمل الانتظار أو المساومة أو الواسطة.

 

لذلك، تكشف الأرقام أن المعدل المصري لا يتجاوز 1.4 سرير لكل ألف مواطن، مقابل 2.8 عالمياً وفق ما أورده طلب الإحاطة، وهو فارق لا يعني نقص تجهيزات فقط بل نقص عدالة.

 

ومن ثم، فإن وجود 9988 سريراً داخل مستشفيات وزارة الصحة لا يكفي أمام بلد يتجاوز 107 ملايين نسمة، خصوصاً مع زيادة السكان وارتفاع الأمراض المزمنة والحوادث وضغط الطوارئ اليومي على المستشفيات الحكومية.

 

غير أن الحكومة سبق أن قدمت الرقم نفسه كإنجاز، حين أعلنت زيادة أسرة الرعاية المركزة من 4536 سريراً عام 2014 إلى 9988 عام 2025، لكن المواطن لا يرى الإنجاز حين يموت منتظراً سريراً.

 

علاوة على ذلك، يرى طبيب العناية المركزة الدكتور خالد صادق أن أصل المعضلة يرتبط بالتكلفة العالية، ونقص الأدوية والمعدات، والعجز في الكادر الصحي، وهي عناصر تجعل السرير رقماً بلا قدرة إنقاذ حقيقية.

 

وبناءً على ذلك، لا يكفي تعداد الأسرة في بيانات رسمية، لأن سرير العناية يحتاج طبيباً وتمريضاً وأجهزة وأدوية ومتابعة مستمرة، وإلا صار مجرد قطعة معدنية داخل غرفة مزدحمة لا تنقذ حياة.

 

 

قوائم انتظار غير معلنة

 

في السياق ذاته، أشار الهضيبي إلى أن آلاف الأسر تعيش معاناة يومية أثناء البحث عن سرير عناية، حيث تتحول رحلة العلاج إلى سباق مع الزمن قد يحسم مصير المريض بين الحياة والموت.

 

ومع ذلك، لا تعترف السلطة عادة بحجم الطابور الحقيقي، لأن قوائم الانتظار في الرعايات لا تظهر كأزمة سياسية، بل تتفتت داخل مكالمات أسرية واستغاثات محلية ومناشدات على مواقع التواصل.

 

إلى جانب ذلك، تزداد الخطورة عندما تضطر الأسر إلى اللجوء للمستشفيات الخاصة، فتتحول الأزمة من نقص خدمة عامة إلى استنزاف مالي قاس، يبيع فيه المواطن ما يملك مقابل أيام إضافية في العناية.

 

ومن ناحية أخرى، يشير الدكتور محمد حسن خليل، منسق لجنة الحق في الصحة، إلى أن عدد أسرة الرعاية المركزة في مصر كان أقل من ثلث الحد الأدنى عالمياً، ما يفضح تراكم الإهمال.

 

لزيادة الوضوح، فإن أزمة العناية لا تنفصل عن ضعف الإنفاق العام على الصحة، لأن بناء وحدات رعاية حقيقية يحتاج ميزانيات ثابتة، لا حملات دعائية، ولا افتتاحات موسمية، ولا وعوداً تنتهي أمام الاستقبال.

 

في المقابل، يطرح طلب الإحاطة سؤال العدالة الجغرافية، فالمريض في محافظة طرفية لا يملك رفاهية الانتقال السريع إلى القاهرة، بينما قد تتحول المسافة بين المستشفى والسرير المتاح إلى حكم بالموت.

 

وعليه، فإن إعلان خريطة تفصيلية للأسرة حسب المحافظات والمستشفيات لم يعد مطلباً إدارياً، بل حقاً عاماً، لأن المواطنين يجب أن يعرفوا أين تذهب الميزانية، وأين توجد الفجوة، ومن يتحمل مسؤولية العجز.

 

 

الصحة العامة تحت سلطة التقشف

 

كذلك، حذرت نقابة الأطباء سابقاً من استمرار عزوف الأطباء عن العمل الحكومي وتزايد الهجرة، وكشفت استقالة أكثر من 11 ألف طبيب منذ عام 2019، وهي ضربة مباشرة لقدرة الرعايات على العمل.

 

ثم إن الدكتور أحمد حسين، عضو مجلس نقابة الأطباء السابق، نبه إلى أن إحصاءات الأطباء الرسمية لا تعكس الواقع، لأنها لا تستبعد من يحصلون على إجازات بلا مرتب أو يخرجون فعلياً من الخدمة.

 

فضلاً عن ذلك، قالت الدكتورة منى مينا إن المشكلة ليست وجود وحدات فائضة، بل وحدات بلا أطباء أو يصعب تشغيلها بسبب تطفيش مستمر للكفاءات، وهو منطق يشرح أزمة الرعاية قبل غيرها.

 

غير أن الخطاب الرسمي يفضل الحديث عن أعداد الأسرة بدلاً من الاعتراف بأن المنظومة تحتاج بشراً وتدريباً وأماناً مهنياً وأجوراً كريمة، لا مجرد أجهزة تتوقف إذا غاب الطبيب أو نقص الدواء.

 

لذلك، يصبح طلب الهضيبي بإعلان خطة زمنية لزيادة الأسرة ورفع كفاءتها وتجهيزها اختباراً جدياً للحكومة، لأن الأزمة تجاوزت مرحلة التشخيص، وصارت تتطلب تمويلاً واضحاً ومحاسبة علنية ومؤشرات قابلة للقياس.

 

وبالمثل، يجب أن تشمل الخطة مستشفيات الصعيد والدلتا والمناطق الأكثر فقراً، لا أن تتركز الخدمة في المدن الكبرى، لأن الحق في النجاة لا يجب أن يرتبط بعنوان المريض أو قربه من العاصمة.

 

كما ينبغي ربط التوسع في العناية بمنظومة إسعاف وإحالة شفافة، بحيث يعرف الطبيب والأسرة مكان السرير المتاح فوراً، بدلاً من ترك المواطنين في متاهة اتصالات واستغاثات ووساطات وقتها محسوب بالدقائق.

 

وفي النهاية، يكشف رقم 9988 سريراً أن أزمة الصحة في مصر ليست نقص معدات فقط، بل نقص أولويات، حيث تنفق الدولة بسخاء على الواجهات، وتترك الإنسان العادي يفاوض الموت أمام باب العناية.