د. خالد الجابر
المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة
تاريخيًا، تعاملت دول الخليج مع التهديدات الإيرانية بمنطق يقوم على الاحتواء لا المواجهة، وعلى امتصاص التصعيد لا توسيعه. كانت الفكرة الأساسية أنّ استقرار المنطقة، وحماية الاقتصاد العالمي، وتجنّب الانزلاق إلى حرب شاملة، أولويات تتجاوز أيّ ردّة فعل. ولهذا، اختارت العواصم الخليجية، مع اندلاع حرب إيران أخيرًا، سياسة "الصبر الاستراتيجي"، وهي سياسة اعتمدت على العقلانية، والعمل الدبلوماسي، وتعزيز القدرات الدفاعية، بدلًا من الانجرار إلى مواجهات مباشرة مع إيران أو أذرعها الإقليمية. لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل استمرّ هذا النهج في تحقيق أهدافه، أم أنّ إيران قرأت هذا السلوك باعتباره ضعفًا، ما دفعها إلى توسيع هامش التصعيد واختبار حدود الردّ الخليجي بصورة متكرّرة؟
لقد أدركت دول الخليج أنّ أيّ مواجهة مباشرة مع إيران ستكون مكلفةً للجميع، فالجغرافيا السياسية للمنطقة، وتشابك المصالح الاقتصادية، وارتباط أسواق الطاقة بالاستقرار الخليجي، كلّها عوامل دفعت هذه الدول إلى تجنّب سياسات التصعيد المباشر. ولذلك، ركزت العواصم الخليجية على بناء قدرات دفاعية متقدّمة، وتعزيز منظومات الحماية الجوية، وتطوير التنسيق الأمني والعسكري، بما مكّنها من امتصاص جزء كبير من التهديدات والاعتداءات الإيرانية على العواصم الخليجية من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
لم يكن هذا النهج تعبيرًا عن ضعف أو تردّد، بل كان خيارًا استراتيجيًا محسوبًا، فدول الخليج كانت تدرك أنّ الحروب في الشرق الأوسط نادرًا ما تبقى ضمن حدودها الأصلية، وأنّ أيّ انفجار واسع قد يهدّد الجميع بلا استثناء. غير أنّ المشكلة بدأت عندما قرأت طهران هذا السلوك بطريقة مختلفة تمامًا. فبدل أن يُنظر إلى ضبط النفس باعتباره قرارًا عقلانيًا يهدف إلى حماية الاستقرار، فسّر غيابًا للإرادة السياسية أو عدم قدرة على الردّ. وهنا يبدأ الخلل في التقدير السياسي الإيراني.
اعتمدت إيران سنواتٍ على نموذج يقوم على إدارة الصراع عبر الوكلاء، فبدلًا من خوض مواجهات مباشرة، استثمرت في بناء شبكة واسعة من الجماعات المسلّحة والمليشيات المنتشرة في أكثر من ساحة عربية. هذه الاستراتيجية منحت طهران مزايا عدّة في وقت واحد. فمن جهة، استطاعت ممارسة الضغط على خصومها الإقليميين، ومن جهة أخرى، حافظت على هامش واسع من الإنكار السياسي، يسمح لها بالتحرّك من دون تحمّل كلفة المواجهة المباشرة. وكانت المعادلة الإيرانية واضحةً: يمكن استهداف المصالح العربية والخليجية عبر وكلاء محلّيين، بينما تبقى إيران نفسها بعيدةً نسبيًا عن الردّ المباشر. هذه "المسافة الآمنة" شكّلت عقودًا أحد أكثر عناصر الاعتداءات الإيرانية أهمّيةً؛ فهي سمحت لطهران بإدارة الصراع من خارج حدودها، وتوزيع كلفته بين ساحات متعدّدة، مع الحفاظ على الداخل الإيراني بمنأى عن الضغوط الكُبرى. لكنّ المشكلة في أيّ معادلة ناجحة أنّها قد تتحوّل مع الوقت إلى مصدر ثقة مفرطة.
ومع الخيار الإيراني في استمرار العدوان والهجمات بالصواريخ والمسيّرات، منذ انطلاق الحرب مع الولايات المتحدة، بدأت بعض دول الخليج تتوصّل إلى قناعة مختلفة: أنّ سياسة ضبط النفس، بدلًا من أن تحتوي تصعيدًا أكبرَ، أصبحت عاملًا يشجّع عليه. فحين يدرك الخصم أنّ ردّات الفعل ستظلّ محدودةً أو دفاعيةً، فإنّه يميل بطبيعة الحال إلى اختبار الحدود بصورة أكبر. وهذا ما حدث تدريجيًا، إذ توسّعت أيضًا الهجمات التي تنفّذها المليشيات المدعومة من إيران، سواء عبر الصواريخ الباليستية أو الطائرات المسيّرة أو العمليات غير المباشرة. وهنا بدأت الحاجة إلى إعادة تقييم القواعد الحاكمة للسلوك الاستراتيجي الخليجي.
ما كشفته وكالة رويترز من ضربات سعودية استهدفت مليشيات مدعومة من إيران، وما أوردته "وول ستريت جورنال" بشأن عمليات إماراتية سرّية ضدّ أهداف إيرانية، لا يمكن التعامل معه مجرّد تسريبات أمنية عابرة. فحتّى لو بقيت بعض التفاصيل في دائرة الغموض، فالدلالة السياسية تبدو أكثر وضوحًا من أيّ وقت مضى: الخليج لم يعد مستعدًّا للقبول بمعادلة الاستنزاف المفتوح. فالمعادلة الجديدة لا تقوم فقط على اعتراض الهجمات واحتواء آثارها، بل على الردّ والمواجهة. وإذا تأكّد هذا الاتجاه، فإنّنا نكون أمام تحوّل نوعي، فإنّنا لا نتحدّث عن ردّة فعل تكتيكية محدودة، بل عن بداية تشكّل عقيدة ردع خليجية جديدة. عقيدة تقوم على فكرة أساسية: أيّ تهديد لأمن الخليج لن يبقى بلا تكلفة في الجهة وراءه، سواء نُفّذت الهجمات بشكل مباشر أو عبر وكلائها. وهذا تطوّر بالغ الأهمية، لأنّ إيران لطالما استفادت من فكرة "المسافة الآمنة"، أي القدرة على تهديد خصومها من دون أن تصل النيران إلى داخلها أو إلى مصالحها الحيوية.
إحدى أكثر مزايا النموذج الإيراني أهمّيةً كانت القدرة على إلحاق الضرر بالخصوم من دون تعريض الداخل الإيراني لردّ موازٍ. ولكن معادلة الصراع، إذا بدأت هذه القاعدة في التآكل، ستتغيّر جذريًا. عندها، لن تعود الهجمات بالوكالة أداةً منخفضة المخاطر، بل قد تتحوّل إلى عامل يفتح الباب أمام توسيع نطاق المواجهة. وهنا الرسالة الأكثر أهمّيةً في التحرّكات أخيرًا: أنّ الخليج لم يعد مستعدًّا للبقاء في موقع الدفاع الدائم، وأنّ قواعد الاشتباك التي حكمت المنطقة قد تكون دخلت مرحلة المراجعة.
ورغم أهمية هذا التحوّل، لا يخلو من مخاطر كبيرة، فالشرق الأوسط منطقة شديدة التعقيد، وأيّ تغيير في قواعد الردع قد يفتح الباب أمام سوء تقدير أو تصعيد غير محسوب. كما أنّ تعدّد الجبهات والفاعلين يجعل من الصعب السيطرة الكاملة على مسار الأحداث إذا بدأت المواجهات تتوسّع. لكن في المقابل، يبدو أنّ صنّاع القرار في الخليج باتوا يرون أنّ الإبقاء على الوضع السابق يحمل مخاطر أكبر. فالتجربة أثبتت أنّ سياسة الصبر وحدها لم تكن كافيةً لردع التهديدات أو تعديل السلوك الإيراني، بل ربّما ساهمت، بشكل غير مباشر، في تعزيز ثقة طهران بقدرتها على الاستمرار من دون تكلفة حقيقية.
يمكن قراءة تحرّكات بعض الدول الخليجية أخيرًا باعتبارها محاولة لإعادة التوازن، لا تمهيدًا لحرب شاملة. فالهدف الأساس يبدو متمثّلًا في كسر احتكار طرف واحد لأدوات التصعيد، وفرض معادلة ردع أكثر توازنًا، تقلّص هامش المناورة الذي تمتّعت به إيران سنواتٍ. الرسالة هنا واضحة: إدارة الصراع من جانب واحد لم تعد ممكنة، وأيّ تصعيد سيقابله ردّ يفرض كلفةً ملموسةً في الجهة التي تقف خلفه.
التاريخ مليء بحالات اختارت فيها الدول الصبر طويلًا، لكنّها عندما قرّرت تغيير قواعد الاشتباك، فعلت ذلك بصورة حاسمة أعادت تشكيل التوازنات بالكامل. هذا ما يمكن وصفه بـ"غضب الحليم": لحظة يتحوّل فيها الصبر الطويل إلى ردّ استراتيجي واسع التأثير. وبالنسبة لإيران، فإنّ الاستمرار في اختبار حدود الصبر الخليجي قد يقود إلى لحظة مشابهة، تنتقل فيها المنطقة من نمط صراع يمكن احتواؤه إلى نمط أكثر حدّةً، وأقلّ قابليةً للضبط.
في ضوء هذه التحوّلات، لم يعد السؤال ما إذا كانت دول الخليج قادرةً على الردّ، بل ما إذا كانت إيران مستعدّة لإعادة تقييم افتراضاتها الأساسية. فالرهان على أنّ ضبط النفس الخليجي سيبقى ثابتًا إلى ما لا نهاية قد يتحوّل إلى خطأ استراتيجي بالغ الكلفة. المنطقة، على ما يبدو، تقف أمام مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة قواعد الردع، وتُختبر فيها حدود القوة والصبر معًا. وفي النهاية، لن تكون الغلبة فقط لمن يمتلك أدوات القوة، بل أيضًا لمن ينجح في قراءة التحوّلات قبل أن تفرض نفسها أمرًا واقعًا.

