كشفت مصادر قضائية عن استبعاد 105 مرشحين من أبناء القضاة والمستشارين في مصر من استكمال إجراءات التعيين داخل النيابة العامة ومجلس الدولة والنيابة الإدارية، بعد رسوبهم في اختبارات ودورات تأهيل بالأكاديمية العسكرية بدأت في أبريل 2026، بما فجّر غضبًا جديدًا داخل الأوساط القضائية.
وتأتي الواقعة بعد عامين من إدخال الأكاديمية العسكرية إلى مسار التعيين الحكومي والقضائي، في خطوة منحت السلطة التنفيذية موقعًا مباشرًا داخل بوابة الالتحاق بالجهات القضائية، وحولت معايير اللياقة البدنية والطبية والأمنية إلى أدوات إقصاء داخل وظيفة يفترض أن يحسمها القانون والكفاءة العلمية.
استبعاد أبناء القضاة يكشف كلفة المسار العسكري الجديد
وبحسب المصادر القضائية، توزع المستبعدون بين 42 مرشحًا للنيابة العامة، و37 مرشحًا لمجلس الدولة، و26 مرشحًا للنيابة الإدارية، عقب اختبارات استمرت عدة أسابيع قبل بدء الدورة التأهيلية بالأكاديمية العسكرية، وهي أرقام جعلت الملف يتجاوز حدود شكاوى فردية إلى أزمة مؤسسية داخل القضاء.
كما زادت حساسية الأزمة لأن بعض المستبعدين ينتمون إلى عائلات قضائية بارزة، تضم أبناء رؤساء محاكم ومستشارين في هيئات عليا، وهو ما كشف أن المسار الجديد لم يعد يستهدف مرشحين هامشيين فقط، بل طال دوائر تقليدية اعتادت امتلاك نفوذ داخل مسارات التعيين القضائي.
غير أن جوهر الأزمة لا يقف عند غضب أبناء القضاة، لأن الاستبعاد يعيد فتح ملف أوسع عن احتكار السلطة التنفيذية لمداخل الوظيفة العامة، فالمعيار الذي يبعد ابن مستشار اليوم قد يطرد خريجًا كفئًا غدًا إذا لم يطابق مقاسًا بدنيًا أو تقديرًا أمنيًا غير معلن.
وفي هذا السياق، يرى الحقوقي نجاد البرعي أن استقلال القضاء يظل مقيدًا حين تملك السلطة التنفيذية نفوذًا مؤسسيًا أعلى في مواجهة السلطة القضائية، وقد كتب سابقًا أن تدخلات الإدارة والموارد والتفتيش تجعل الاستقلال نصًا قابلًا للتعطيل حين تغيب الضمانات العملية.
لذلك تبدو أزمة 2026 امتدادًا مباشرًا لمسار بدأ قبلها، لا حادثة رسوب عادية، إذ نقلت الدولة مركز الثقل من لجان قضائية تقيم الملفات والمؤهلات إلى منظومة تأهيل عسكرية تملك حق العبور أو الإقصاء، بينما يظل المرشح عاجزًا عن معرفة معيار القرار أو الطعن عليه بوضوح.
من قرار أبريل 2023 إلى تعيينات القضاء تحت عين الأكاديمية
وكان رئيس الوزراء قد أصدر في أبريل 2023 تعليمات تلزم المعينين الجدد في الجهات الحكومية بالحصول على دورة تأهيلية داخل الكلية الحربية لمدة 6 أشهر، ثم توسع التطبيق لاحقًا ليصل إلى هيئات قضائية مثل النيابة العامة ومجلس الدولة والنيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة.
وقبل هذا التحول، كانت كل جهة قضائية تدير تعييناتها وفق قوانينها ولوائحها الداخلية، وكانت المعايير المعلنة تدور حول المؤهل القانوني والتقدير الجامعي والمقابلات والتحريات، من دون أن تصبح اختبارات الوزن والطول وقوة النظر واللياقة البدنية شرطًا حاكمًا في وظيفة قضائية.
ثم جاء إدخال الأكاديمية العسكرية ليغير طبيعة المسار، لأن المرشح لم يعد يمر فقط عبر بوابة الجهة القضائية، بل صار مطالبًا بالعبور من جهة تدريب وتأهيل تابعة لمنطق تنفيذي وعسكري، وهو ما يراه قضاة اعتداءً على اختصاص أصيل لمؤسسات القضاء.
وفي تقييمه لهذا المسار، وصف ناصر أمين رئيس مؤسسة دعم العدالة بالمركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة فرض دورات عسكرية شرطًا للتعيين القضائي بأنه تهديد شديد لاستقلال القضاء، واعتبر أن ربط مستقبل القضاة بجهة تنفيذية أو أمنية لا يجد سندًا دستوريًا أو قانونيًا واضحًا.
بناء على ذلك، لم تعد الاختبارات البدنية والطبية تفصيلًا إداريًا داخل ملف التعيين، بل أصبحت أداة فرز تغير فلسفة اختيار القاضي، فالقضاء يقوم على فهم النصوص وتقدير الوقائع وصيانة الحقوق، لا على تحويل المرشح إلى نموذج بدني مطابق لشروط أقرب إلى الكليات العسكرية.
وتستخدم الحكومة ومؤيدو المسار الجديد خطاب رفع الكفاءة والانضباط لتبرير الإجراءات، لكن هذا الخطاب يتجاهل أن الانضباط القضائي له أدواته داخل التفتيش والمساءلة والتدريب القانوني، ولا يحتاج إلى نقل سلطة الاختيار من المؤسسة القضائية إلى مؤسسة عسكرية لا تخضع لرقابة قضائية كافية.
اختبارات بدنية وأمنية تفتح معركة استقلال القضاء
وأشارت المصادر إلى أن أسباب الاستبعاد شملت الرسوب في الاختبارات البدنية والكشف الطبي، إضافة إلى معايير الوزن والطول وقوة النظر، كما وردت إشارات إلى استبعادات وُصفت بأنها أمنية، وهو ما زاد الغضب لأن القرار النهائي لا يقدم للمستبعدين أسبابًا مفصلة قابلة للفحص.
وبينما يملك المرشح القانوني سجلًا دراسيًا ومؤهلًا واضحًا، تضع الاختبارات الجديدة أمامه شروطًا لا ترتبط مباشرة بطبيعة عمله، فوكيل النيابة أو عضو مجلس الدولة لا يصدر قراره بقوة الجسد، بل بالقدرة على التحقيق والبحث وكتابة الرأي القانوني وصون حقوق المتقاضين.
كذلك يضع هذا المسار القضاء تحت ضغط سياسي واضح، لأن جهة تنفيذية تشارك في تحديد من يدخل السلطة القضائية، ثم تستطيع مع الوقت أن تؤثر في شكل الجيل الجديد داخل النيابة والمحاكم، وهو ما يحول التعيين من شأن قضائي إلى ملف سيادي مغلق.
وفي قراءة مرتبطة بالوظيفة العامة، اعتبر كمال عباس المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية أن اشتراط التأهيل داخل الكلية الحربية للتعيين الحكومي يمثل خطوة صادمة وغير قانونية ومزيدًا من العسكرة، وهو توصيف يكتسب خطورته عندما ينتقل من الجهاز الإداري إلى الهيئات القضائية.
وعلى الأرض، يدرس عدد من القضاة وأعضاء الهيئات القضائية تقديم شكاوى رسمية أو اتخاذ إجراءات قانونية للطعن على قرارات الاستبعاد، بينما يفضل آخرون انتظار مسارات التظلم داخل الجهات المختصة، في محاولة لتجنب مواجهة مفتوحة قبل استنفاد الأدوات الداخلية المتاحة.
في الوقت نفسه، تكشف التحركات الداخلية أن الأزمة لم تعد تخص دفعة بعينها، لأن نادي القضاة سبق أن دعا إلى اجتماعات وناقش خطوات قد تصل إلى جمعية عمومية غير عادية، بعدما توسعت المخاوف من نقل التعيينات والترقيات إلى الأكاديمية العسكرية أو ربطها بدورات لاحقة.
ومن ثم، تبدو الحكومة أمام ملف لا يمكن احتواؤه ببيانات عن الكفاءة، لأن الأرقام المعلنة عن استبعاد 105 مرشحين تمنح الأزمة دليلًا محسوسًا، ولأن تكرارها للعام الثاني يثبت أن الأمر لم يعد تجربة مؤقتة بل سياسة تعيد هندسة القضاء من مدخل التعيين.
وتبقى الخلاصة أن السلطة التنفيذية فتحت بابًا بالغ الخطورة حين جعلت الأكاديمية العسكرية بوابة إلى منصة القضاء، فالمشكلة لا تنحصر في أبناء القضاة الذين سقطوا في الاختبارات، بل في دولة تجعل حق التقاضي مستقبلًا مرهونًا بقاض دخل منصبه عبر معيار لا يملكه القضاء نفسه.

