أقر مجلس الوزراء في مصر استمرار تطبيق نظام العمل عن بعد يوم الأحد من كل أسبوع خلال شهر يونيو 2026، بموجب استمرار العمل بقرار رئيس الوزراء رقم 982 لسنة 2026، لتظل الجهات الحكومية أمام إجراء استثنائي يرفع شعار ترشيد استهلاك الطاقة من دون إعلان نتائج تفصيلية كافية.
ويضع القرار الجهاز الإداري في قلب أزمة إدارة الطاقة، لأن الحكومة لا تقدم المسألة باعتبارها تطويرا لمنظومة العمل العام، بل كأداة اضطرارية لتقليل أحمال الكهرباء والوقود، بينما يتحمل المواطن أثر بطء الخدمات وتراجع انتظام الحضور داخل المصالح الحكومية.
تمديد الأحد يكشف إدارة الأزمة بالتقسيط
بدأت الحكومة تطبيق العمل عن بعد داخل جهات حكومية ضمن حزمة إجراءات لترشيد الكهرباء والوقود، ثم مددت الإجراء أكثر من مرة حتى وصل إلى يونيو 2026، وهو ما يحول القرار من تجربة مؤقتة إلى سياسة متكررة بلا إعلان واضح عن معايير النجاح أو أسباب استمرارها.
وبحسب القرار الجديد، ينطبق النظام على العاملين في المنشآت والجهات التي نص عليها قرار رئيس الوزراء رقم 982 لسنة 2026، ما يعني أن الحكومة اختارت إعادة استخدام الأداة نفسها بدلا من تقديم خطة أوسع لتقليل الهدر داخل المباني الحكومية طوال الأسبوع.
ويرى الخبير الاقتصادي وليد جاب الله أن خفض استهلاك الطاقة داخل الجهات الحكومية قد يحقق وفرا فعليا، لكنه ربط جدوى الإجراء بقياس أثره الحقيقي. ويخدم هذا الرأي جوهر الأزمة، لأن استمرار القرار من دون نشر تقييم تفصيلي يجعل الوفر المعلن أقرب إلى تقدير حكومي غير قابل للمراجعة العامة.
لذلك لا تبدو المشكلة في فكرة العمل من المنزل وحدها، بل في طريقة استخدامها كغطاء إداري لأزمة أكبر. فالحكومة تطلب من الموظفين البقاء في المنازل يوم الأحد، لكنها لا تعلن خريطة واضحة لاستهلاك الوزارات أو نسب الخفض داخل كل جهة أو أثر القرار على الخدمة العامة.
أرقام الوفر لا تغلق باب المساءلة
أعلنت وزارة الكهرباء أن تطبيق العمل عن بعد يوم الأحد أسهم في توفير 4700 ميجاوات ساعة و980 ألف متر مكعب من الوقود، كما تحدثت الوزارة عن وفر عام في الوقود المستخدم بلغ 2.1% خلال شهر مارس رغم زيادة الطاقة المنتجة بنسبة 3.3%.
لكن هذه الأرقام لا تجيب وحدها عن سؤال كفاءة القرار، لأنها لا تكشف تكلفة نقل العمل إلى المنازل ولا تقيس استهلاك الموظفين للكهرباء والاتصال والتبريد أثناء ساعات العمل. كما لا توضح الحكومة إن كان الوفر داخل المباني الحكومية يفوق أثر تعطيل بعض الخدمات أو إبطائها.
وفي هذا السياق، يوضح خبير الطاقة هاني النقراشي أن استهلاك الكهرباء في مصر يرتفع صيفا بنحو 20% بسبب التكييفات. وتدعم هذه الإشارة نقطة محورية، لأن شهر يونيو يقع في بداية الضغط الصيفي، ما يجعل العمل عن بعد إجراء محدودا أمام طلب موسمي واسع على الكهرباء.
كما أن الحكومة تربط القرار بتقليل الأحمال على الشبكة خلال فترات الذروة، لكنها لا تنشر بيانات يومية تقارن بين أيام الأحد وباقي أيام الأسبوع داخل القطاع الإداري. ومن دون هذه المقارنة، يبقى الحديث عن الذروة عنوانا عاما لا يكفي لتبرير تمديد الإجراء شهرا بعد آخر.
وبالتالي يتحول قرار الأحد إلى إعلان سياسي أكثر منه سياسة طاقة مكتملة، لأن الحكومة تقدم الرقم الذي يخدم روايتها وتؤجل الرقم الذي يسمح بمحاسبتها. فالناس لا تحتاج إلى شعار ترشيد جديد، بل تحتاج إلى معرفة أين يذهب الاستهلاك ولماذا تفشل المباني الحكومية في ضبطه طوال الأسبوع.
فاتورة الاستيراد تضغط على القرار وتدفع المواطن للانتظار
ربطت الحكومة إجراءات ترشيد الكهرباء والوقود بتداعيات التطورات الإقليمية والدولية على أسواق الطاقة، وبالحاجة إلى تدبير الموارد المالية لشراء المنتجات البترولية. وهذا الربط يكشف أن القرار ليس شأنا إداريا محدودا، بل جزء من ضغط أوسع على النقد الأجنبي وفاتورة الاستيراد.
ويقول الخبير الاقتصادي كريم العمدة إن قرارات ترشيد الكهرباء وإغلاق المحال مبكرا تستهدف تقليل الضغط على فاتورة استيراد الطاقة، خصوصا مع اعتماد مصر على الاستيراد وارتفاع الأسعار عالميا. وتخدم هذه القراءة فهم الخلفية المالية للقرار، لكنها لا تعفي الحكومة من مسؤولية كشف التكلفة على المواطنين.
ومن هنا تبرز المفارقة الأساسية في القرار، لأن الحكومة تخفف ضغط الطاقة داخل مكاتبها عبر تقليص الحضور، بينما لا تضمن للمواطن سرعة إنجاز الخدمات في اليوم التالي أو تعويضا رقميا حقيقيا. فالموظف يعمل من المنزل، لكن المواطن غالبا يظل أمام بوابة حكومية بطيئة.
كذلك تتحدث الحكومة عن تحسين كفاءة التشغيل وتنظيم حضور الموظفين، غير أن صياغة القرار لا تقدم ضمانات كافية لمنع تحول يوم الأحد إلى يوم منخفض الإنتاجية داخل بعض الجهات. وتزيد هذه المخاوف عندما تغيب مؤشرات أداء منشورة تقيس عدد المعاملات المنجزة خلال أيام العمل عن بعد.
وفي النهاية، يضع تمديد العمل عن بعد خلال يونيو 2026 الحكومة أمام اختبار لا تحسمه بيانات مقتضبة عن الوفر. فالقرار قد يقلل إضاءة المكاتب وحركة السيارات، لكنه يفضح في الوقت نفسه عجزا أعمق عن إدارة الطاقة بشفافية وعن تحويل الترشيد إلى سياسة قابلة للقياس والمحاسبة.

