أثار قرار مجلس النواب بمد الدورة النقابية الحالية لمجالس إدارات المنظمات النقابية العمالية لمدة ستة أشهر حالة من الجدل الواسع داخل الأوساط العمالية والحقوقية، بعدما اعتبرت منظمات نقابية مستقلة أن الخطوة تمثل تراجعًا عن مبادئ الاستقلال النقابي، وتفتح الباب أمام استمرار ما وصفته بـ«الوصاية الإدارية» على التنظيمات العمالية.
وفي مقدمة الجهات الرافضة للقرار، أعلنت دار الخدمات النقابية والعمالية رفضها الكامل لتمديد الدورة النقابية، مؤكدة أن القرار يشكل “انتهاكًا للحريات النقابية” ويمثل “تدخلًا سافرًا” في حق العمال في اختيار ممثليهم عبر انتخابات دورية منتظمة تُجرى في مواعيدها القانونية دون تأجيل أو تدخلات استثنائية.
وكان مجلس النواب قد وافق نهائيًا، الاثنين 18 مايو 2026، على مشروع قانون يقضي بمد الدورة النقابية الحالية لمدة ستة أشهر تبدأ من اليوم التالي لانتهاء الدورة الحالية المقرر لها 29 يونيو 2026، وذلك في ظل ما قيل إنها ارتباطات تنظيمية تتعلق بمؤتمرات العمل العربية والدولية المقبلة.
اعتراضات على “الاستثناء” بدلًا من احترام المواعيد الانتخابية
وفي بيان مطول، أكدت دار الخدمات النقابية أن تمديد الدورة الحالية لا يمكن تبريره بالمشاركة في فعاليات أو مؤتمرات دولية، معتبرة أن انتظام العملية الانتخابية واحترام دوريتها يمثلان حجر الأساس في أي ممارسة نقابية ديمقراطية حقيقية.
ورأت الدار أن اللجوء إلى “قرارات استثنائية” لمد الفترات النقابية يعكس غياب الإرادة السياسية لإجراء انتخابات حرة ومنتظمة، ويؤدي عمليًا إلى إضعاف ثقة العمال في المؤسسات النقابية، خاصة في ظل الانتقادات المتزايدة التي تواجهها المنظومة النقابية خلال السنوات الأخيرة.
كما أشادت المنظمة بموقف عدد من النواب الذين أعلنوا رفضهم مشروع القانون داخل البرلمان، معتبرة أن هذا الرفض يعكس تمسكًا بالدفاع عن الحريات النقابية ورفض تعطيل الاستحقاقات الانتخابية.
قانون النقابات في مرمى الانتقادات
ولم تقتصر انتقادات دار الخدمات النقابية على قرار التمديد فقط، بل امتدت إلى قانون المنظمات النقابية العمالية رقم 213 لسنة 2017، الذي قالت إنه لا يزال يتضمن “مشكلات جوهرية” تعيق استقلال النقابات وتحد من قدرة العمال على إدارة تنظيماتهم بحرية.
وأكد البيان أن المواد الخاصة بشروط الترشح وإجراءات الانتخابات تمنح سلطات واسعة للإدارة، بينما تنتقص في المقابل من صلاحيات الجمعيات العمومية، الأمر الذي يضعف الدور الحقيقي للعمال في إدارة نقاباتهم.
كما شددت الدار على أن القانون الحالي يفرض قيودًا على حق النقابات في إعداد لوائحها الداخلية وتنظيم شؤونها بحرية، معتبرة أن ذلك يتعارض مع مبادئ الحرية النقابية التي تنص عليها الاتفاقيات الدولية الخاصة بالعمل والتنظيم النقابي.
انتقاد “المركزية” في إدارة الانتخابات النقابية
ومن بين النقاط التي أثارتها دار الخدمات النقابية أيضًا، استمرار إجراء الانتخابات النقابية في توقيت موحد لجميع المنظمات النقابية، رغم اختلاف ظروف كل نقابة وطبيعة تأسيسها وأوضاعها التنظيمية.
واعتبرت الدار أن هذا النهج يعيد إنتاج “النمط الإداري المركزي” الذي يحد من التعددية النقابية، ويقيد قدرة التنظيمات العمالية على إدارة شؤونها بصورة مستقلة، وهو ما يتناقض – بحسب البيان – مع فلسفة التعددية التي نص عليها القانون نفسه.
كما طالبت بإنهاء أي إشراف مباشر من جانب وزارة العمل على العملية الانتخابية، مؤكدة أن ضمان نزاهة الانتخابات يبدأ من استقلالها الكامل عن السلطة التنفيذية.
مخاوف من تراجع مساحة العمل النقابي المستقل
ويرى متابعون للشأن العمالي أن الجدل الحالي يعكس أزمة أعمق تتعلق بمستقبل العمل النقابي في مصر، وسط مطالبات متكررة من منظمات حقوقية ونقابية بإجراء تعديلات تشريعية تضمن حرية التنظيم النقابي وتعزز استقلال النقابات عن الأجهزة الإدارية والحكومية.
ويحذر حقوقيون من أن تمديد الدورات النقابية قد يتحول إلى سابقة تُستخدم مستقبلًا لتأجيل الانتخابات كلما ظهرت مبررات تنظيمية أو سياسية، ما يهدد مبدأ التداول الديمقراطي داخل النقابات ويضعف تمثيل العمال الحقيقي.
في المقابل، ترى جهات مؤيدة للقرار أن التمديد يأتي في إطار اعتبارات تنظيمية مرتبطة بالتمثيل الخارجي للاتحادات العمالية في المحافل العربية والدولية، وأنه لا يستهدف تعطيل الانتخابات بشكل دائم، بل يمنح مساحة زمنية لترتيب الاستحقاقات المقبلة.
دعوات لحوار مجتمعي شامل
وفي ختام بيانها، جددت دار الخدمات النقابية والعمالية دعوتها إلى فتح حوار مجتمعي واسع يضم ممثلين عن النقابات المستقلة والاتحاد العام للعمال ومنظمات المجتمع المدني والجهات الحكومية، بهدف مراجعة التشريعات المنظمة للعمل النقابي بصورة تضمن احترام الحريات النقابية والمعايير الدولية.
وأكدت أن احترام حق العمال في التنظيم لا يتحقق عبر مد الفترات الانتخابية أو تأجيل الاستحقاقات، وإنما من خلال توفير بيئة ديمقراطية حقيقية تسمح بإجراء انتخابات نزيهة ودورية، وتكفل للعمال حقهم الكامل في اختيار ممثليهم وإدارة تنظيماتهم بحرية واستقلال.

