د. سعيد الحاج

باحث في الشأن التركي والقضية الفلسطينية والشؤون الإقليمية

 

استهداف قيادات حركات المقاومة استراتيجية دائمة للاحتلال، وخرقه اتفاق وقف إطلاق النار بات شيئا متكررا ومتوقعا، بيد أنه بالنظر للتوقيت والسياق، يحمل اغتيال القائد العام لكتائب القسام، الذراع العسكرية لحركة حماس، عز الدين الحداد، أهدافا ورسائل "إسرائيلية" أبعد وأعقد من مجرد اغتيال قيادي ستقدم على استهدافه متى ما لاحت فرصة لذلك.

 

في المقام الأول، تتبدى غريزة الانتقام الوحشية والدموية لدولة الاحتلال من كل من كان له يد في عملية "طوفان الأقصى" تخطيطا أو تنفيذا. ولطالما ردد المطلوب للجنائية الدولية نتنياهو وأركان حكومته أنهم سيسعون خلف أعضاء المجلس العسكري للقسام يوم السابع من أكتوبر 2023، والذي كان بقي منه على قيد الحياة -وفق الاحتلال- شخصان فقط؛ أحدهما الحداد نفسه. وهو ما يعني أن اتفاق وقف إطلاق النار أو مسار المفاوضات أو غير ذلك من الاعتبارات لن تحول دون استهداف الرجل في حال كان ثمة فرصة حقيقية لذلك.

 

ومن اللافت أن اغتيال الرجل الأول في القسام أتى في يوم ذكرى النكبة (15/5) وتقاطع مع فترة اغتيال القائد العام السابق للقسام محمد السنوار (13/5) العام الفائت، في رمزية قد تكون مقصودة و/أو يُعمل على استثمارها في الداخل "الإسرائيلي".

 

وهناك معنى الضغط المباشر على قيادة حماس والقسام، فرغم أن حكومة نتنياهو لم تلتزم بما يليها من اتفاق وقف إطلاق النار (رغم الالتزام الكامل من قبل الجانب الفلسطيني مضمونا وتوقيتا)، إلا أن محطة التفاوض الأخيرة شهدت محاولة لإرغام حركة حماس على قبول تسليم سلاحها وإلا فإن الجانب الإنساني من المرحلة الأولى من الاتفاق ودخول لجنة التنكنوقراط وفتح المعابر وانسحاب جيش الاحتلال وغيرها من الخطوات لن يتم، على ما عرضه ممثل "مجلس السلام" (الذي هو على الحقيقة ممثل نتنياهو) ميلادينوف.

 

وكان جواب حماس ومعها باقي الفصائل أن المفاوضات بخصوص المرحلة الثانية تبدأ بعد إلزام الاحتلال بتنفيذ المرحلة الأولى، وأن موضوح السلاح ليس جزءا من مسار التفاوض مع الاحتلال وإنما مسألة داخلية تُناقش في الإطار الوطني الفلسطيني. وهنا، كان الاغتيال رسالة ضغط مباشرة و"عقابا" على هذا الموقف التفاوضي، كما كان اغتيال نجل رئيس وفد التفاوض خليل الحية، لا سيما وأن لدى الاحتلال تقييما بأن الحداد -كشخص وكقائد للقسام- كان له موقف متشدد من الأمر. يحاول الاحتلال بالاغتيال معاقبة حماس على موقفها، ويراهن على إمكانية تليينه وفرض التنازلات عليها بهذه الطريقة المتكررة.

 

كما أن عملية الاغتيال تزامنت مع مسار الانتخابات في حماس لاختيار رئيس جديد لمكتبها السياسي، أرفع هيئة تنفيذية في الحركة المقاومة، ما يعني أن حكومة الاحتلال سعت للتأثير على مسار تعافي الحركة واستكمال تشكيل هياكلها التنظيمية بعد وقف إطلاق النار. والأهم من ذلك أن عملية الاغتيال تفرض شاغرا في قيادة القسام (وحماس) يضاف للجوء حماس لجولة إعادة في اختيار رئيس المكتب السياسي، ما تأمل حكومة نتنياهو أن يفتح لها ثغرات أمنية تنتجها هذه المسارات وتتيح لها مزيدا من الاستهداف والاغتيالات.

 

رابعا وأخيرا، يسعى حزب الليكود لحل الكنيست وفرض مسار انتخابات مبكرة في "إسرائيل". ولطالما كان الدم الفلسطيني والعربي الملف الأهم في الحملات الانتخابية والحاصد الأكبر للأصوات، فكيف بانتخابات مصيرية وحساسة بعد السابع من أكتوبر ويتنافس فيها أكثر الاحزاب والشخصيات يمينية وتطرفا في تاريخ الكيان؟

 

الرهان "الإسرائيلي" هنا ذو مسارين يخدم كل منهما هدف نتنياهو وحزبه وائتلافه بتعزيز فرصهم في الانتخابات المقبلة، المبكرة أو لو بقيت على موعدها في الخريف القادم. فإن ردت حركة حماس على اغتيال بهذا الحجم، سيستأنف جيش الاحتلال حربه بما يقترب من الوتيرة السابقة لحرب الإبادة -مدعوما بغطاء كامل من إدارة ترمب- وإن لم ترد سيستمر في الاستهداف والاغتيالات. وقد سجل يوم اغتيال الحداد عدة استهدافات أخرى في غزة سقط جراءها سبعة شهداء وأصيب أكثر من أربعين فلسطينيا، وما زالت الاستهدافات مستمرة. يعني ذلك أن التصعيد -أعلى من الوتيرة السابقة- قرار قد اتخذ ليخدم أهدافا انتخابية لنتنياهو وائتلافه، إضافة للأهداف الميدانية والسياسية التقليدية.

 

في الختام، تخبرنا الخبرات السابقة في تاريخ النضال الفلسطيني وفي ثورات الشعوب الأخرى أن الاغتيالات لم توقف يوما مسار النضال أو تدفع الشعوب وفصائلها المقاومة للاستسلام. لكن حكومة نتنياهو لا تتزحزح عن مبدأ "ما لا يأتي بالقوة المفرطة يأتي بمزيد منها"، وبذلك يستمر الرهان على القوة الخشنة والدموية غير المحدودة في التعامل مع غزة وحركات المقاومة حتى في ظل وقف إطلاق النار.

 

وإذا ما كان متوقعا أن يستمر الدعم والغطاء الأمريكيين لنتنياهو، فإن الغريب أن تلتزم الدول العربية والإسلامية الضامنة (الثلاثي المصري- القطري- التركي أو الثُّماني المشارك في خطة ترامب) الصمت إزاء هذه الخروقات التي تمثل تحديا لهم إلى جانب الفلسطينيين، والتي تفتح الباب على مسار بالغ الخطورة في مؤشراته ومحطاته وتداعياته.