كشفت أزمة الإنترنت في مصر خلال الماضية عن موجة غضب واسعة بين المواطنين بعد زيادة أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت بنسبة تراوحت بين 9% و15%، بالتزامن مع شكاوى متكررة من ضعف السرعات، ونفاد الباقات قبل موعدها، وغموض آليات المحاسبة داخل سوق تقول الحكومة إنه يخضع للرقابة.
وتحوّل الإنترنت من خدمة مساعدة إلى ضرورة يومية للدراسة والعمل والخدمات الحكومية، لكن الحكومة تتعامل معه كسلعة قابلة للضغط والجباية، فالمواطن يدفع أكثر، ويشتكي أكثر، ثم يسمع تبريرات عن التضخم وتكاليف التشغيل، بينما لا يرى تحسنًا واضحًا في السرعة أو الشفافية أو استقرار الخدمة.
زيادة الأسعار قبل تحسين الخدمة
بدأت الأزمة الأخيرة مع موافقة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات على تحريك أسعار بعض خدمات الاتصالات والإنترنت بنسبة بين 9% و15%، مع طرح باقة إنترنت أرضي بسعر 150 جنيهًا وباقة محمول بسعر 5 جنيهات، وتأكيد رسمي بأن المواقع الحكومية والتعليمية ستظل متاحة مجانًا بعد نفاد الباقة.
لكن المواطنين لم يتعاملوا مع الباقة الأرخص باعتبارها حلًا، لأن جوهر الشكوى لا يخص أقل سعر فقط، بل يخص خدمة لا تكمل الشهر، وسرعات لا تثبت، وفواتير لا تشرح للمستخدم أين ذهبت الجيجابايت، وهذا ما جعل خفض مدخل صغير للسوق يبدو كمسكن لا علاج.
ويخدم رأي محمد هداية، رئيس شعبة الاتصالات باتحاد الغرفة التجارية، هذا المحور بقوة، إذ قال إن الأولى كان تحسين الخدمة قبل رفع الأسعار، مشيرًا إلى أن مستهلكين كثيرين يشتكون من سوء الخدمة، وأن الشركات رفعت الأسعار دون أن تحسن مستوى ما يحصل عليه المستخدم.
كما يدعم رأي الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، زاوية الضغط الاقتصادي، إذ اعتبر أن رفع أسعار خدمات الإنترنت لا يقف عند التكلفة المباشرة على المستهلك، بل يمتد إلى تكلفة الإنتاج والنقل والتخزين والخدمات، بما يخلق موجة ضغوط تضخمية غير مباشرة تضرب الاقتصاد كله.
وبناء على ذلك، تبدو الزيادة الحكومية أكثر قسوة لأنها جاءت في وقت تتحول فيه كل أسرة إلى مستخدم دائم للإنترنت، فالطالب يحتاج المنصات، والعامل يحتاج البريد والتطبيقات، وصاحب العمل الصغير يحتاج التحويلات والتسويق، بينما تبقى الخدمة المحدودة عبئًا إضافيًا على الدخل الشهري.
نفاد الباقات وغموض المحاسبة
تصدرت شكاوى نفاد الباقات قبل موعدها مواقع التواصل والصحافة خلال الشهور الأخيرة، وظهرت شهادات لمستخدمين يقولون إن استهلاكهم لم يتغير لكن الباقة تنتهي في أسبوع أو منتصف الشهر، كما نقلت بوابة الأهرام شكوى مستخدم قال إنه يدفع مقابل سرعة محددة لكنه لا يحصل حتى على نصفها.
وتحدث أحد أولياء الأمور عن تكلفة الإنترنت داخل البيت مع تعدد الأجهزة، قائلا إن الأولاد ينهون الباقة بينما لا توجد شفافية تشرح الاستهلاك، وهي شكوى تعكس أزمة منزلية يومية، لأن الأب أو الأم لا يملكان أداة واضحة لمعرفة أين يذهب الاستهلاك ومن المسؤول عن نفاده.
ويخدم رأي وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، هذا العنوان لأنه ربط نفاد الباقات بمشكلة فنية وغياب وضوح في خطط التسعير والمحاسبة، وروى تجربة شخصية قال فيها إنه أغلق الراوتر قبل خروجه وترك أكثر من 7 جيجابايت، ثم عاد ليجد الرصيد منتهيًا.
في المقابل، يقدم المهندس إسلام غانم، خبير أمن المعلومات، تفسيرًا تقنيًا مختلفًا، إذ يقول إن استنزاف الباقات قد ينتج عن تطبيقات تعمل في الخلفية، أو أجهزة التلفزيون الذكية، أو اختراق كلمة مرور الراوتر، أو تحديثات تلقائية لا ينتبه إليها المستخدم.
لكن التفسير التقني لا يعفي الحكومة ولا الشركات، لأن المواطن ليس مطالبًا بأن يصبح مهندس شبكات كي يحافظ على باقته، بل من حقه أن يحصل على لوحة استهلاك واضحة، وتنبيهات مفصلة، وعداد موثوق، وتعويض تلقائي إذا ثبت خلل في المحاسبة أو انقطاع في الخدمة.
ولهذا تتسع الفجوة بين خطاب الشركات وخبرة المستخدمين، فالشركات تتحدث عن زيادة الاستهلاك بسبب جودة الفيديو والأجهزة الحديثة، بينما يتحدث المواطن عن نفس عدد الأجهزة ونفس نمط الاستخدام ونتيجة مختلفة، وفي غياب شفافية مستقلة يصبح الغضب نتيجة طبيعية لا مبالغة اجتماعية.
تنظيم السوق أم حماية الشركات؟
يعرض الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات نفسه كحارس للمستخدم، فقد أعلن في تقرير شكاوى النصف الثاني من 2025 أن معدل شكاوى الإنترنت الثابت بلغ 355 شكوى لكل 100 ألف مشترك، وأن نسبة الاستجابة بعد التصعيد وصلت إلى 98%، مع متوسط استجابة 0.80 يوم.
ومع ذلك، تكشف الأرقام نفسها تفاوتًا كبيرًا بين الشركات، إذ بلغ معدل الشكاوى في الإنترنت الثابت 1452 شكوى لكل 100 ألف مشترك لدى أورنج، و1286 لدى إي آند، و753 لدى فودافون، مقابل 198 لدى وي، وهي فروق لا يمكن دفنها تحت عبارة الاستجابة السريعة.
ويخدم رأي الدكتور خالد شريف، مساعد وزير الاتصالات الأسبق، زاوية تنظيم السوق، إذ أوضح أن قطاع الاتصالات يعمل داخل إطار تنافسي منظم، وأن الشركات تقدم الباقات والعروض، بينما يراجع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات هذه العروض لاعتمادها وضمان قواعد المنافسة واستقرار السوق.
أما المهندس محمد إبراهيم، نائب رئيس جهاز تنظيم الاتصالات، فيدافع عن القرار من زاوية تكاليف التشغيل، إذ قال إن الأسعار لم تتحرك منذ عام ونصف، وإن تكاليف المدخلات ارتفعت، وإن استهلاك الإنترنت الأرضي زاد 36% والمحمول 12% مع دخول 8 ملايين مستخدم جديد خلال عام.
غير أن دفاع الجهاز يصطدم بسؤال الرقابة الفعلية، فإذا كان تقييم جودة الخدمة أعلى من 9 على 10 كما يقول نائب رئيس الجهاز، فلماذا تتزايد شكاوى المواطنين من البطء والنفاد والانقطاع؟ ولماذا يضطر المستخدم إلى التصعيد بدل أن يحصل على خدمة مستقرة من البداية؟
كما أن استطلاع رضا المستخدمين في الربع الثاني من 2025 لا يعطي صورة وردية كاملة، فقد حصلت وي على 63% فقط في التقييم العام لخدمات الإنترنت الثابت، وإي آند على 65%، وأورنج على 67%، بينما حصلت فودافون على 78%، وهي نسب تكشف أن الرضا ليس قريبًا من الكمال الذي يردده الخطاب الرسمي.
الإنترنت ضرورة حياة لا رفاهية
لم يعد الإنترنت ترفيهًا أو مشاهدة فقط، فقد أصبح جزءًا من التعليم والعمل والخدمات الحكومية والمدفوعات والتواصل الأسري، ولذلك فإن نظام الباقات المحدودة يضغط على الأسر بطريقة لا تقل أثرًا عن فواتير الكهرباء والمياه، خصوصًا مع اتجاه الحكومة إلى رقمنة الخدمات العامة.
وتدعم الدكتورة مها عبد الناصر، وكيل لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، هذا المحور حين ربطت نفاد الباقات أساسًا باعتماد مصر على نظام الباقات المحدودة، وأشارت إلى أن الهواتف والشاشات عالية الدقة ترفع الاستهلاك، وأن هناك دراسة لإمكانية توفير إنترنت غير محدود بديلًا عن النظام الحالي.
كما قالت عبد الناصر في مداخلة أخرى إن الإنترنت أصبح ضرورة حياتية لا تقل عن الكهرباء والمياه، وإن الوصول إلى الخدمات الحكومية والتعليمية لا يجب أن ينقطع بانتهاء الباقة، وهي زاوية مهمة لأنها تربط الخدمة بحقوق يومية لا بمجرد استهلاك تجاري.
ويعزز فريدي البياضي هذا الاتجاه من زاوية الرقابة والمحاسبة، إذ قال إن شكاوى المواطنين من سرعة نفاد الباقات وضعف الجودة تعكس أزمة حقيقية، وطالب برقابة صارمة على شركات الإنترنت وتعويض المواطنين عن الخدمة الضعيفة، كما اعتبر الإنترنت خدمة أساسية يعتمد عليها الطلاب والأسر والعاملون.
وبذلك لا تقف الأزمة عند سعر باقة أو زيادة 15%، بل تمتد إلى نموذج كامل يجعل المواطن يدفع مرتين، مرة عند الاشتراك، ومرة عند نفاد الباقة، ثم يدفع ثالثة من وقته وأعصابه حين يلاحق خدمة العملاء أو يرفع شكوى للجهاز.
وتزداد خطورة هذا النموذج لأن عدد مستخدمي الإنترنت في مصر بلغ نحو 93 مليون مستخدم في نوفمبر الماضي، وفق ما نقلته الشرق الأوسط عن مستشارة وزير الاتصالات للتنمية المجتمعية الرقمية هدى دحروج، ما يعني أن أي خلل في التسعير والجودة والمحاسبة يتحول إلى أزمة عامة لا مشكلة فردية.
وفي النهاية، يكشف ملف الإنترنت في مصر عن حكومة تحاصر الخدمة بين أسعار أعلى وباقات محدودة ورقابة لا تمنع الشكوى قبل وقوعها، وعن شركات تتحدث عن تكلفة التشغيل أكثر مما تقدم شفافية للمستخدم، وعن مواطن لم يعد يطلب رفاهية، بل يطلب حقًا بسيطًا في إنترنت مستقر وواضح السعر والمحاسبة.

