تحولت سواحل مدينة سيدي براني بمحافظة مطروح، إلى مسرح لمأساة إنسانية جديدة، بعدما لفظت أمواج البحر المتوسط عشرات الجثامين المتحللة لضحايا مركب هجرة غير شرعية غرق أثناء محاولته الوصول إلى السواحل الأوروبية، في حادث يعكس استمرار نزيف الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط، رغم التحذيرات المتكررة من خطورة تلك الرحلات.
وأعلنت مؤسسة العابرين لمساعدة المهاجرين والخدمات الإنسانية العثور على 17 جثة حتى الآن، وسط استمرار عمليات البحث والتمشيط البحري لاستخراج مزيد من الضحايا أو العثور على ناجين محتملين، في ظل ظروف بحرية معقدة وصعوبات كبيرة تواجه فرق الإنقاذ العاملة في المنطقة الغربية من الساحل المصري.
وقالت المؤسسة، في بيان، إن المعلومات الأولية تشير إلى أن المركب كان يقل مهاجرين غير شرعيين في رحلة بحرية انطلقت باتجاه أوروبا عبر البحر المتوسط، قبل أن يتعرض للغرق غرب شواطئ سيدي براني بمحافظة مطروح، دون أن يتم حتى الآن تحديد العدد الكامل للمفقودين أو جنسيات جميع الضحايا الذين كانوا على متن المركب.
جثامين متحللة وأشلاء خشبية على الشاطئ
وشهدت منطقة أبو غليلة التابعة لمدينة سيدي براني حالة من الصدمة والارتباك، بعدما فوجئ الأهالي، بظهور جثث عدة قذفتها الأمواج إلى الشاطئ، إلى جانب بقايا خشبية متناثرة يُعتقد أنها تعود إلى المركب الغارق.
وأكدت مصادر طبية بمحافظة مطروح أن المعاينة الأولية أظهرت أن معظم الجثامين في حالة تحلل متقدمة، ما صعّب عملية التعرف على هويات الضحايا بصورة فورية، خاصة في ظل فقدان بعض الجثث لمعالمها نتيجة بقائها لفترة طويلة في المياه.
وأوضحت المصادر أن الجهات المختصة نقلت الجثامين إلى المستشفيات والمشارح القريبة، فيما باشرت فرق الطب الشرعي والنيابة العامة إجراءات الفحص والمعاينة، تمهيداً لتحديد أسباب الوفاة والتعرف على هويات الضحايا.
النيابة تبدأ التحقيق وتحاليل DNA لتحديد الهوية
وباشرت النيابة العامة المصرية التحقيق في الواقعة، حيث تجري حالياً معاينات موسعة للجثامين التي جرى انتشالها، لا سيما غير المكتملة منها، في محاولة للوصول إلى أي معلومات تساعد في تحديد هوية الضحايا.
وأشار مصدر طبي إلى أن السلطات ستلجأ إلى سحب عينات من الحمض النووي (DNA) في حال انتشال جثامين إضافية بحالة تحلل مماثلة، بهدف مطابقة البيانات مع بلاغات التغيب التي قد تتقدم بها أسر المفقودين في مختلف المحافظات المصرية.
وأضاف المصدر أن عمليات الفحص قد تستغرق وقتاً طويلاً بسبب تدهور حالة الجثامين، وهو ما يزيد من صعوبة التعرف على الضحايا بصورة تقليدية.
التعرف على 7 من الضحايا
وفي تطور لاحق، تم التعرف على هوية 7 من بين الجثامين التي تم العثور عليها، وهم:
- محمد راضي محمد حسن، 16 عاماً، من دمنهور بمحافظة البحيرة.
- السيد الششتاوي متولي عبدالله، 17 عاماً، من سمنود بمحافظة الغربية.
- عبد العزيز كمال محمد أبو العزم، 28 عاماً، من زفتى بمحافظة الغربية.
- عصام رفعت عبد القادر محمد، 20 عاماً، من مركز أبنوب بمحافظة أسيوط.
- محمد محمود إبراهيم إسماعيل منصور، 17 عاماً، من السنبلاوين بمحافظة الدقهلية.
- عمر جمال محمد حسين عثمان، 21 عاماً، من القناطر الخيرية بمحافظة القليوبية.
- عبد الله إبراهيم أحمد عطية قنديل، 27 عاماً، من إمبابة بمحافظة الجيزة.
وكشفت أعمار الضحايا، التي يغلب عليها فئة الشباب والمراهقين، حجم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الكثيرين إلى خوض رحلات بحرية محفوفة بالمخاطر أملاً في الوصول إلى أوروبا وتحسين أوضاعهم المعيشية.
أوضاع اقتصادية ومعيشية تدفع الشباب إلى الهجرة
ويرى مراقبون أن تصاعد محاولات الهجرة غير الشرعية من مصر خلال السنوات الأخيرة يرتبط بشكل مباشر بتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين الشباب، إلى جانب محدودية فرص العمل المناسبة وضعف الرواتب مقارنة بارتفاع تكاليف الحياة بصورة غير مسبوقة.
ويؤكد متابعون أن كثيراً من الشباب باتوا يعتبرون الهجرة، حتى وإن كانت غير شرعية، الخيار الوحيد للهروب من واقع اقتصادي صعب، في ظل عدم القدرة على توفير متطلبات الحياة الأساسية، أو تكوين مستقبل مستقر داخل البلاد.
كما تمثل أزمة الزواج وارتفاع تكاليفه أحد أبرز الدوافع الاجتماعية التي تدفع الشباب إلى التفكير في الهجرة، مع الارتفاعات الكبيرة في أسعار الشقق السكنية وتجهيزات الزواج والأجهزة الكهربائية والأثاث، الأمر الذي جعل تكوين أسرة بالنسبة لكثيرين حلماً بعيد المنال.
وتتزايد كذلك شكاوي قطاعات واسعة من الشباب من تراجع الإحساس بالأمان والاستقرار الاجتماعي، وصعوبة بناء مستقبل واضح المعالم، وهو ما تستغله شبكات تهريب البشر لإقناع الراغبين في الهجرة بخوض رحلات بحرية خطرة مقابل مبالغ مالية ضخمة.
البحر المتوسط.. مقبرة مفتوحة للمهاجرين
وتأتي هذه الحادثة ضمن سلسلة متواصلة من كوارث الهجرة غير الشرعية التي تشهدها سواحل البحر المتوسط، لا سيما الخطوط الممتدة بين ليبيا ومصر ودول جنوب أوروبا، حيث تتكرر حوادث غرق المراكب نتيجة تهالك القوارب المستخدمة، وتحميلها بأعداد تفوق طاقتها الاستيعابية، فضلاً عن غياب الحد الأدنى من معايير السلامة البحرية.
وتشير تقديرات منظمات حقوقية وإنسانية إلى أن شبكات تهريب البشر ما تزال تنشط بقوة في المنطقة، مستغلة تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين الشباب، لإقناعهم بخوض رحلات غير قانونية غالباً ما تنتهي بالموت أو الفقدان في عرض البحر.
تحذيرات من تنامي نشاط شبكات التهريب
وفي تعليقها على الحادث، شددت مؤسسة "العابرين" على ضرورة تعزيز الجهود الإقليمية والدولية لمواجهة شبكات تهريب البشر، وملاحقة المتورطين في تنظيم رحلات الهجرة غير الشرعية، محذرة من أن استمرار الأزمات الاقتصادية والإنسانية في المنطقة سيدفع مزيداً من الشباب إلى المجازفة بحياتهم في البحر.
وأكدت المؤسسة أن معالجة الظاهرة لا يجب أن تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل تتطلب أيضاً حلولاً تنموية واقتصادية توفر فرص العمل وتحسن الظروف المعيشية، بما يقلل من دوافع الهجرة الخطرة التي تحوّل البحر المتوسط إلى "مقبرة جماعية" للمهاجرين سنوياً.
https://www.facebook.com/share/p/1CgEvXRMTG
https://www.facebook.com/share/r/1GQD6PJJLs/

