طالبت الشعبة العامة للصيدليات باتحاد الغرف التجارية هيئة الدواء المصرية برفع هامش أرباح الصيدليات إلى 25% على جميع الأصناف الدوائية ومستحضرات التجميل الطبية، بعدما أكدت أن نسب الربح الحالية التي تتراوح بين 10% و25% لم تعد تغطي تكاليف التشغيل المتصاعدة، في ظل ارتفاع أسعار الكهرباء والأجور والإيجارات، ما دفع القطاع إلى التحذير من تآكل القدرة الاقتصادية للصيدليات في مختلف المحافظات.
ربطت الأزمة الجديدة بين سياسات الحكومة الاقتصادية وارتفاع الضغوط على القطاعات الخدمية المرتبطة مباشرة بالمواطنين، بعدما فرضت الحكومة زيادات متتالية على أسعار الكهرباء والخدمات الأساسية، بينما تركت أصحاب الصيدليات يواجهون تكاليف تشغيل متصاعدة دون تعديل حقيقي في هوامش الأرباح، وهو ما يهدد استمرار عدد كبير من الصيدليات الصغيرة في المناطق الشعبية والريفية.
الصيدليات تواجه تضخم التكاليف بهوامش أرباح متآكلة
أكد رئيس الشعبة العامة للصيدليات محمود عبد المقصود أن الشعبة جددت مخاطبة هيئة الدواء المصرية خلال الفترة الأخيرة للمطالبة بتوحيد هامش الربح عند 25% لجميع الأصناف الدوائية ومستحضرات التجميل الطبية، بعدما أصبحت الأدوية الأساسية تمثل النسبة الأكبر من مبيعات الصيدليات داخل السوق المصرية.
وأوضح عبد المقصود أن القرار رقم 499 لسنة 2012 حدد هامش أرباح الصيدليات بين 10% و25% للأدوية المحلية، بينما تراوح بين 10% و18% للأدوية المستوردة، إلا أن هذه النسب لم تعد تتناسب مع المتغيرات الاقتصادية الحالية التي رفعت تكاليف التشغيل بصورة غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة.
وأشار عبد المقصود إلى أن هامش الربح الظاهر على العبوات لا يعكس الأرباح الحقيقية للصيدليات، لأن أصحاب الصيدليات يتحملون التزامات مالية متعددة تشمل فواتير الكهرباء والمياه وأجور العاملين والإيجارات والضرائب، ما يخفض صافي الربح الفعلي إلى حدود تتراوح بين 2% و3% فقط من قيمة العبوة الدوائية.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي وائل النحاس إن الحكومة رفعت أسعار الكهرباء والخدمات التجارية بصورة متلاحقة دون وضع آليات لحماية القطاعات الوسيطة التي تقدم خدمات يومية للمواطنين، موضحاً أن الصيدليات أصبحت تتحمل زيادات تشغيلية تفوق قدرة السوق على الاستيعاب.
وأضاف النحاس أن أزمة الصيدليات تعكس تناقض السياسات الحكومية، لأن الدولة تفرض زيادات على الطاقة والأجور والإيجارات من جهة، بينما ترفض تعديل منظومة الأرباح في القطاعات المرتبطة بالخدمة الصحية، وهو ما يدفع المؤسسات الصغيرة إلى تقليص نشاطها أو تحميل المستهلكين زيادات غير مباشرة في الأسعار.
كذلك تواجه الصيدليات في المناطق الريفية والأحياء الشعبية أوضاعاً أكثر صعوبة، بسبب انخفاض القوة الشرائية للمواطنين واعتماد الأسر على شراء الأدوية الضرورية فقط، ما أدى إلى تراجع مبيعات المكملات الغذائية ومستحضرات التجميل الطبية التي كانت تمثل جزءاً مهماً من إيرادات الصيدليات خلال السنوات الماضية.
زيادات الكهرباء والأجور تضغط على قطاع الدواء
أعلنت الحكومة في أبريل الماضي رفع أسعار الكهرباء للقطاع التجاري بنسب تراوحت بين 20% و90% ضمن خطة إعادة هيكلة أسعار الطاقة، وهو القرار الذي انعكس مباشرة على تكاليف تشغيل الصيدليات باعتبارها منشآت تجارية تعتمد على التبريد والتشغيل المستمر لحفظ الأدوية والمستلزمات الطبية.
كما قررت الحكومة رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين بالقطاع العام بنسبة 14.2% ليصل إلى 8000 جنيه بداية من يوليو المقبل، وسط توقعات بزيادة مماثلة في أجور العاملين بالقطاع الخاص، ما وضع أصحاب الصيدليات أمام أعباء إضافية تتعلق برواتب العاملين داخل الفروع المختلفة.
ومن جانبه، قال أستاذ اقتصاديات الصحة علي الإدريسي إن قطاع الصيدليات يعمل داخل بيئة تشغيلية شديدة الحساسية، لأن أي زيادة في كلفة الطاقة أو العمالة تنعكس مباشرة على استقرار الخدمة الدوائية، خاصة في ظل وجود تسعير جبري للأدوية الأساسية يحد من قدرة الصيدليات على تعويض خسائرها.
وأشار الإدريسي إلى أن الحكومة توسعت خلال السنوات الأخيرة في تحميل القطاعات الخدمية كلفة الإصلاح الاقتصادي، بينما بقيت منظومة تسعير الدواء وهوامش التوزيع شبه ثابتة، وهو ما خلق اختلالاً واضحاً بين تكلفة التشغيل والعائد الفعلي الذي تحققه الصيدليات في السوق المحلية.
وفي الوقت نفسه، أكد محمود عبد المقصود أن تباطؤ مبيعات مستحضرات التجميل والمكملات الغذائية جاء نتيجة مباشرة لتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، بعدما أصبحت الأسر تركز على شراء الأدوية الحيوية فقط، وهو ما أدى إلى تقلص أحد أهم مصادر الربح التي كانت تعتمد عليها الصيدليات لمواجهة التكاليف التشغيلية.
كما أشار عبد المقصود إلى أن الشعبة تقدمت بالمطلب نفسه خلال العام الماضي، إلا أن هيئة الدواء رفضت المقترح حينها، قبل أن تعود الأزمة بصورة أكثر حدة بعد الزيادات الأخيرة في أسعار الكهرباء والخدمات والأجور، وهو ما دفع الشعبة إلى إعادة طرح الملف مرة أخرى أمام الجهات الحكومية.
هيئة الدواء تلتزم الصمت ومخاوف من تحميل المواطنين الفاتورة
لم تصدر هيئة الدواء المصرية حتى الآن رداً رسمياً بشأن طلب رفع هامش الأرباح، وسط توقعات داخل القطاع بأن تتجنب الحكومة اتخاذ قرار سريع خشية تحميل المواطنين زيادات إضافية في أسعار الأدوية خلال فترة تشهد ضغوطاً اقتصادية واسعة على الأسر المصرية.
ويخشى أصحاب الصيدليات من استمرار تجاهل الأزمة الحالية، لأن كثيراً من الصيدليات الصغيرة باتت تواجه صعوبة في تغطية التكاليف الأساسية، خصوصاً مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والخدمات والسلع المرتبطة بالتشغيل اليومي، وهو ما يهدد بإغلاق بعض الفروع محدودة الدخل في المحافظات.
وفي هذا الإطار، قال خبير السياسات الدوائية محمد عز العرب إن الحكومة تدير ملف الدواء بعقلية مالية تركز على منع الزيادات السعرية المباشرة فقط، بينما تتجاهل التأثير التراكمي لارتفاع تكاليف التشغيل على استقرار سلاسل التوزيع والخدمة الدوائية داخل السوق.
وأضاف عز العرب أن استمرار الضغط المالي على الصيدليات قد يؤدي إلى اضطرابات أوسع في توافر بعض الأصناف، خاصة إذا اتجهت الصيدليات إلى تقليل المخزون أو الحد من شراء المستحضرات منخفضة الربحية، وهو ما ينعكس في النهاية على قدرة المواطنين في الوصول إلى الدواء بصورة مستقرة.
كذلك يطالب أصحاب الصيدليات بإعادة النظر في سياسات التسعير والهوامش التجارية بصورة شاملة، بعدما أصبحت الصيدليات تتحمل جزءاً متزايداً من نتائج التضخم وارتفاع تكاليف الطاقة، بينما تواصل الحكومة تحميل القطاع الخاص أعباء الإصلاح الاقتصادي دون توفير أدوات حقيقية للحماية أو التعويض.
وفي ظل استمرار الأزمة، تبدو العلاقة بين الحكومة وقطاع الصيدليات مرشحة لمزيد من التوتر خلال الشهور المقبلة، خاصة مع اتساع الضغوط الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، بينما تواجه الصيدليات معادلة معقدة تجمع بين ارتفاع التكلفة وثبات الهوامش وتزايد الطلب على الأدوية الأساسية منخفضة الربحية.

