كشفت استغاثات أهالي منطقة سوق السمك المتفرعة من شارع العباسي بمدينة المنصورة، عن غرق الشوارع والمداخل بمياه الصرف الصحي لأكثر من 7 أيام، ما عطل حركة البيع والشراء، وأغلق ممرات السكان، وحول المنطقة الحيوية إلى بؤرة روائح وحشرات وتهديد صحي مباشر.

 

تفضح الأزمة عجز المحليات عن التعامل مع كارثة يومية لا تحتاج إلى وعود ولا مؤتمرات، لأن أسرة محاصرة بالمجاري أمام منزلها وتاجرًا يخسر رزقه داخل محل مغمور بالمياه لا ينتظران خطابًا رسميًا، بل ينتظران شفطًا عاجلًا وإصلاحًا نهائيًا ومحاسبة علنية.

 

سوق حيوي يتحول إلى برك صرف ومحلات مغلقة

 

بدأت الكارثة حين غمرت مياه المجاري أجزاء واسعة من الشوارع المحيطة بسوق السمك في المنصورة، وتقدمت المياه نحو مداخل المنازل والمحلات، فتعطلت حركة المواطنين، وتراجع البيع والشراء، ووجد أصحاب المحلات أنفسهم أمام خسائر مباشرة لا تعوضها بيانات المسؤولين ولا جولات التصوير.

 

ومع استمرار الطفح لأكثر من أسبوع، تحولت الأزمة من عطل فني إلى إدانة إدارية واضحة، لأن تكرار البلاغات من الأهالي لم ينتج تدخلًا حاسمًا، ولم تظهر فرق الصيانة بما يكفي لشفط المياه وفتح الانسداد وإعادة الحركة إلى شارع العباسي ومحيطه.

 

ويحذر المهندس ممدوح حمزة، الاستشاري الهندسي المعروف بمواقفه المعارضة، من أن انهيار مرافق المدن يبدأ عادة من إهمال الصيانة الدورية وتجاهل البلاغات الصغيرة، ويخدم هذا الرأي محور البنية التحتية لأن الأزمة الحالية تكشف شبكة صرف تُترك حتى تنفجر في وجه السكان.

 

ثم جاءت الروائح الخانقة لتزيد كلفة الكارثة اليومية، إذ لم يعد الأهالي يواجهون مياه راكدة فقط، بل يواجهون بيئة خانقة داخل منطقة سكنية وتجارية، بينما تحمل المحلات الغذائية المحيطة بالسوق خطرًا مضاعفًا بسبب قرب النشاط التجاري من مياه ملوثة ومكشوفة.

 

الصحة العامة تحت تهديد الحشرات والمياه الراكدة

 

تفاقمت المخاطر الصحية بعد انتشار الحشرات فوق البرك الآسنة، وأصبح الأطفال وكبار السن أكثر عرضة للضرر بسبب صعوبة الحركة وقرب المياه من المداخل والمنازل، بينما يرفع استمرار الصرف المكشوف احتمال انتقال العدوى في منطقة مزدحمة بالسكان والباعة والمارة.

 

لذلك لا تستطيع الجهات المحلية وصف الأزمة بأنها مجرد انسداد عابر، لأن مياه الصرف الصحي المكشوفة ترتبط بمخاطر الإسهال والزحار والتيفود والتهاب الكبد الوبائي، كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن تدهور خدمات الصرف يعرّض صحة الأفراد لمخاطر يمكن تلافيها.

 

وتؤكد الدكتورة منى مينا، وكيلة نقابة الأطباء السابقة، أن غياب التدخل الوقائي في الأزمات البيئية يضاعف العبء على الفئات الأضعف، ويخدم رأيها هذا المحور الصحي لأن أهالي سوق السمك لا يملكون رفاهية عزل الأطفال وكبار السن عن مصدر التلوث اليومي.

 

وبناء على ذلك، تصبح مطالبة الأهالي بإرسال فرق شفط وصيانة مطلبًا صحيًا قبل أن يكون خدميًا، لأن كل يوم تأخير يضيف حشرات وروائح وتلفًا جديدًا، ويجعل المنطقة أقرب إلى بؤرة مرضية صنعتها البيروقراطية قبل أن يصنعها انسداد الشبكة.

 

استغاثات بلا استجابة ومحاسبة غائبة

 

كشفت الشكاوى المتكررة خلال الأيام الماضية عن فجوة واسعة بين المواطن والجهة المسؤولة، إذ قدم السكان استغاثات للجهات المختصة، لكن الأزمة بقيت قائمة، وتضررت الممتلكات والمحال بسبب تسرب المياه، بينما ظهر غياب واضح لخطة طوارئ محلية في منطقة تجارية حساسة.

 

في المقابل، يطالب الأهالي بسرعة شفط المياه وإصلاح سبب الانسداد نهائيًا، لا الاكتفاء بحلول مؤقتة تعيد الأزمة بعد أيام، لأن تهالك الطرق وتضرر المداخل وتعطل الحركة اليومية تثبت أن المشكلة تجاوزت حدود النظافة إلى ملف إدارة محلية فاشلة.

 

ويرى الباحث العمراني ديفيد سيمز، صاحب دراسات واسعة عن المدن المصرية، أن ضعف إدارة العمران والخدمات في مصر يخلق أزمات يومية داخل الأحياء المكتظة، ويخدم هذا الرأي محور المحليات لأن سوق السمك يعكس فشل المدينة في حماية خدمة أساسية داخل منطقة مأهولة.

 

وعليه، لا يمكن فصل طفح الصرف في شارع العباسي عن نمط أوسع من الإهمال، حيث تتحرك الأجهزة غالبًا بعد اتساع الغضب لا قبل وقوع الضرر، ويصبح المواطن مضطرًا إلى الاستغاثة العلنية حتى يحصل على خدمة يفترض أن تقدمها الدولة دون إذلال.

 

وتنتهي كارثة سوق السمك في المنصورة إلى سؤال مباشر عن المسؤولية، فمن ترك الشوارع تغرق 7 أيام، ومن تجاهل البلاغات، ومن يحاسب الجهة التي سمحت بتعطيل أرزاق الناس وتعريض صحتهم للخطر، لأن الصرف الذي غمر المنطقة لم يكشف انسداد ماسورة فقط، بل كشف انسدادًا في الإدارة المحلية نفسها.