مر يوم 4 مايو، عيد الميلاد الثامن والثلاثون للمعتقل مصعب رجب داخل محبسه، ليُكمل عامه السابع خلف القضبان في قضية تقول أسرته ومنظمات حقوقية إنها بدأت دون اتهام واضح أو نشاط سياسي، وتحولت مع الوقت إلى نموذج جديد لمعاناة الاحتجاز المطوّل وما يُعرف بقضايا “التدوير” داخل السجون.
وبينما يحتفل كثيرون بأعياد ميلادهم وسط أسرهم، وجد مصعب نفسه هذا العام أيضًا بعيدًا عن زوجته وطفلتيه، في ظل تدهور صحي ونفسي متواصل، وسط مطالب حقوقية متزايدة بالإفراج عنه ووقف ما تصفه منظمات حقوق الإنسان بالانتهاكات المتكررة بحق المحتجزين على ذمة قضايا سياسية أو أمنية.
بداية الواقعة.. “10 دقائق” تحولت إلى 7 سنوات
بحسب رواية أسرته، بدأت رحلة اعتقال مصعب رجب عندما ألقت قوة أمنية القبض عليه أثناء مرافقتها في مهمة استهدفت أحد أقاربه، حيث طُلب منه حينها الإرشاد والمساعدة، مع وعود بالإفراج عنه خلال “عشر دقائق” فقط.
لكن تلك الدقائق، وفقًا للأسرة، تحولت إلى سنوات طويلة من الاحتجاز المستمر، في واحدة من القضايا التي تثير جدلًا واسعًا حول الحبس الاحتياطي الممتد وإعادة إدراج المحتجزين في قضايا جديدة بعد انتهاء مدد احتجازهم القانونية.
وتؤكد الأسرة أن مصعب قضى بالفعل حكمًا سابقًا بالسجن لمدة عامين، إلا أنه لم يُفرج عنه عقب انتهاء العقوبة، بل جرى إدراجه في قضايا جديدة وهو داخل محبسه، فيما يُعرف حقوقيًا بـ”التدوير”، وهي الممارسة التي تواجه انتقادات متكررة من منظمات حقوقية محلية ودولية.
“التدوير”.. بوابة الاحتجاز المفتوح
خلال السنوات الماضية، تحوّل مصطلح “التدوير” إلى أحد أبرز الملفات المثيرة للجدل في المشهد الحقوقي، إذ تشير منظمات حقوق الإنسان إلى استخدامه لإبقاء بعض المحتجزين رهن الحبس لفترات طويلة عبر ضمهم إلى قضايا جديدة بتهم متشابهة بعد صدور قرارات بإخلاء سبيلهم أو انتهاء مدد احتجازهم.
وتقول أسرة مصعب إن هذه الممارسة تكررت معه أكثر من مرة، حتى بعد حصوله على قرارات بإخلاء السبيل، الأمر الذي جعله عالقًا في دائرة قانونية مغلقة بلا أفق واضح لإنهاء احتجازه.
ويرى حقوقيون أن استمرار هذه الإجراءات يثير تساؤلات حول مدى الالتزام بضمانات العدالة الجنائية، خاصة مع تكرار الشكاوى المتعلقة بعدم تنفيذ قرارات قضائية خاصة بالإفراج عن محتجزين.
تدهور صحي متسارع داخل محبسه
وتؤكد أسرة مصعب رجب أن سنوات الاحتجاز الطويلة انعكست بصورة قاسية على حالته الصحية، حيث يعاني من تدهور جسدي ونفسي متواصل في ظل غياب الرعاية الطبية الكافية.
ووفق المعلومات الواردة من أسرته، فقد تعرض لفقدان شبه كامل لأسنانه دون توفير علاج مناسب، كما ظهرت عليه أعراض الشيخوخة المبكرة بصورة لافتة، إلى جانب إصابته بمرض ضغط الدم داخل السجن.
كما تشير الأسرة إلى تراجع واضح في الذاكرة والقدرات الذهنية، في وقت لا يحصل فيه على رعاية صحية منتظمة أو متابعة طبية مستقلة، وهو ما تعتبره منظمات حقوقية تهديدًا مباشرًا لحياته وسلامته الجسدية.
وتضيف الأسرة أن الوضع النفسي للمعتقل يشهد انهيارًا حادًا، إذ يعبّر بشكل متكرر عن فقدان الأمل وعدم القدرة على الاستمرار، وهي مؤشرات تصفها جهات حقوقية بأنها “بالغة الخطورة” وتستدعي تدخلاً عاجلًا.
أسرة تدفع الثمن وحدها
ولا تتوقف آثار القضية عند المعتقل نفسه، بل تمتد إلى أسرته التي تواجه ظروفًا معيشية ونفسية صعبة منذ سنوات.
فابنته الكبرى، البالغة من العمر تسع سنوات، حُرمت من وجود والدها منذ طفولتها المبكرة، بينما وُلدت ابنته الثانية بعد اعتقاله، ولم تعش معه يومًا واحدًا، حتى إنها – وفق الأسرة – لا تزال تتعامل معه بخوف أثناء الزيارات بسبب غياب العلاقة الطبيعية بين الأب وابنته.
أما زوجته، فتتحمل وحدها مسؤوليات الحياة اليومية كاملة، بين رعاية الطفلتين وتدبير متطلبات المعيشة ومتابعة الزيارات والإجراءات القانونية، في ظل تدهور حالتها الصحية والنفسية نتيجة الضغوط المستمرة المرتبطة بظروف الاحتجاز.
وتشير الأسرة إلى أن الزيارات نفسها تحولت إلى عبء نفسي وجسدي شاق، بسبب الإجراءات الطويلة والقيود المفروضة، فضلًا عن المعاناة الاقتصادية الناتجة عن غياب المعيل الرئيسي للأسرة.
مطالب حقوقية بتحرك عاجل
وفي ظل استمرار احتجاز مصعب رجب، دعت منظمة “عدالة لحقوق الإنسان” إلى تدخل عاجل لوقف ما وصفته بالانتهاكات الواقعة بحقه، مطالبة بالإفراج الفوري عنه أو تقديمه لمحاكمة عادلة وفق المعايير الدولية.
كما طالبت المنظمة بضمان حصوله على رعاية طبية عاجلة ومستقلة، وفتح تحقيق في ممارسات “التدوير” والاحتجاز التعسفي، إلى جانب تمكين أسرته من حقوق الزيارة الإنسانية دون تضييق أو تعسف.
وترى المنظمة أن استمرار احتجاز مصعب بهذه الصورة لا يمثل حالة فردية معزولة، بل يعكس – بحسب وصفها – نمطًا ممنهجًا من الانتهاكات التي تمس مبادئ العدالة وحقوق الإنسان.

