حذرت الإعلامية دعاء حسن، عبر برنامج إيه الحكاية على قناة الشرق، من توسع الحكومة المصرية في البحث عن مصادر تمويل جديدة لسداد الالتزامات المالية، مؤكدة أن الاعتماد الدائم على الاقتراض يكشف أزمة أعمق في هيكل الإيرادات، ويجعل الاقتصاد المصري عرضة للاهتزاز مع كل ضغط خارجي.

 

 

وتأتي هذه التحذيرات بينما يواجه المواطن نتيجة مباشرة لسياسات الدين عبر تضخم الأسعار وتآكل الدخل وتراجع قدرة الخدمات العامة على الصمود، لأن الحكومة لا تدير أزمة عابرة بل تكرر النموذج نفسه، فتفتح باب قرض جديد لسداد قرض قديم، ثم تطلب من الناس تحمل الفاتورة.

 

القروض تتحول إلى سياسة دائمة بدل إصلاح موارد الدولة

 

في البداية، تكشف أزمة التمويل أن الحكومة تتعامل مع النقد الأجنبي باعتباره فجوة تبحث لها عن سد مؤقت، لا نتيجة لاقتصاد عاجز عن توليد موارد ثابتة، لذلك تتكرر مفاوضات القروض والاتفاقات الخارجية كلما زادت الالتزامات، بدل بناء قاعدة إنتاج وصادرات تقلل الحاجة إلى الاستدانة.

 

وعلى هذا الأساس، جاءت تصريحات دعاء حسن لتضع نقطة محددة في قلب الأزمة، حين قالت إن البحث الدائم عن مصادر تمويل لسد الالتزامات المالية لا يصلح استراتيجية دائمة لإدارة الاقتصاد، بل يعكس خللا أعمق في الإيرادات، وهذه العبارة تنقل النقاش من رقم الدين إلى طريقة الحكم الاقتصادي.

 

وبحسب الاقتصادي تيموثي كالداس، الباحث المتخصص في الاقتصاد السياسي المصري، فإن برامج الإنقاذ المتكررة لا تكفي إذا بقيت البنية نفسها التي أنتجت الأزمة، لأن زيادة القروض تمنح الحكومة وقتا قصيرا لكنها لا تعالج ضعف الإنتاج ولا تقلص سيطرة الدولة ومؤسساتها على مساحات واسعة من الاقتصاد.

 

ثم يتأكد الخلل عندما تتحول القروض إلى أداة لسداد الالتزامات السابقة، لا لتمويل مشروعات تخلق عائدا نقديا واضحا، ولذلك يصبح السؤال الذي طرحته دعاء حسن عن إدارة الدين وتوظيفه سؤالا مركزيا، لأن الدين الذي لا ينتج دخلا حقيقيا يضغط على الموازنة ويطارد الأجيال التالية.

 

خدمة الدين تبتلع الإيرادات وتخنق الإنفاق العام.

 

في المقابل، لا تظهر خطورة الأزمة في حجم الدين وحده، بل في خدمة الدين التي تسحب الإيرادات قبل أن تصل إلى التعليم والصحة والدعم والأجور، فكل زيادة في الفوائد أو تراجع في سعر الجنيه يرفع تكلفة السداد، ويدفع الحكومة إلى تقليص الإنفاق الاجتماعي أو فرض أعباء جديدة.

 

لذلك، تكتسب قراءة سلمى حسين، الباحثة الاقتصادية المعروفة بعملها على العدالة الضريبية والموازنة، أهمية واضحة داخل هذا المحور، لأنها تربط أزمة الدين بتوزيع الموارد داخل الدولة، وتوضح أن ارتفاع مدفوعات الفوائد لا يترك مساحة كافية لحماية المواطنين من التضخم أو تحسين الخدمات الأساسية.

 

وفي هذا السياق، تشير تقديرات حقوقية واقتصادية إلى أن فوائد الدين في موازنة 2025 و2026 اقتربت من ابتلاع جانب ضخم من الإيرادات العامة، وهو ما يحول الموازنة إلى دفتر سداد لا خطة تنمية، ويجعل الحديث الرسمي عن الإصلاح منفصلا عن حياة الأسر التي تدفع ثمن الغلاء.

 

وبالتزامن مع ذلك، تعلن الحكومة خططا لتحسين كفاءة الإنفاق وتعزيز النمو، لكن الواقع يكشف فجوة بين العناوين الرسمية والنتائج اليومية، لأن المواطن لا يرى سوى أسعار أعلى وخدمات أضعف وقدرة شرائية أقل، بينما تستمر الدولة في التعامل مع الدين كعبء مالي لا كملف سياسي يحتاج مراجعة.

 

اقتصاد مكشوف أمام الخارج وغياب الإنتاج يطيل الأزمة.

 

على المستوى الخارجي، تزيد البيئة الدولية غير المستقرة من كلفة النموذج المصري، لأن ارتفاع أسعار الفائدة وتراجع شهية المستثمرين في الأسواق الناشئة يجعلان التمويل أصعب وأغلى، وبذلك لا تستطيع الحكومة الاعتماد على الأموال الساخنة أو القروض الميسرة باعتبارها ضمانا دائما لعبور الأزمات.

 

من هنا، تخدم قراءة إسحاق ديوان، أستاذ الاقتصاد السياسي والخبير في أزمات الديون بالمنطقة، زاوية الاستدامة بوضوح، لأنه يرى أن الاقتصادات التي تعتمد على التمويل الخارجي دون إصلاح سياسي واقتصادي عميق تظل رهينة للدائنين والأسواق، وتفقد قدرتها على اختيار مسار تنموي مستقل.

 

وبناء على ذلك، يصبح تذبذب الإيرادات التقليدية مثل قناة السويس والسياحة وتحويلات العاملين عاملا مضاعفا للضغط، لأن هذه المصادر لا تكفي وحدها عندما ترتفع آجال السداد وتزداد تكلفة الفوائد، ولذلك تحتاج مصر إلى قاعدة تصدير وصناعة وزراعة قادرة على جلب عملة صعبة بصورة مستمرة.

 

كما أن استمرار السياسات المالية نفسها يضيق هامش الحركة أمام صانع القرار، كما حذرت دعاء حسن، لأن الحكومة التي تنفق معظم طاقتها على توفير تمويل جديد لا تملك مساحة كافية للاستثمار المنتج، ولا تستطيع حماية الفئات الأضعف عندما تأتي صدمة خارجية في الطاقة أو الغذاء أو الفائدة.

 

وفي النهاية، لا يكمن الاختبار الحقيقي في قدرة الحكومة على توقيع اتفاق جديد أو تحصيل دفعة قرض إضافية، بل في قدرتها على كسر دائرة الاقتراض التي صنعتها سياسات طويلة من الإنفاق غير المنتج وضعف الإيرادات، لأن الاقتصاد الذي لا ينتج عملة صعبة سيبقى تحت ضغط الدائنين مهما تغيرت الشعارات.

 

لذلك، تبدو الأسئلة المفتوحة أكثر حدة من أي وقت سابق، هل تستطيع الحكومة وقف تحويل الموازنة إلى ماكينة سداد، وهل تراجع دور الدولة ومشروعاتها المكلفة، وهل تتحول خطط الإصلاح إلى إنتاج وصادرات وفرص عمل، أم تستمر السلطة في تحميل المواطنين ثمن أزمة صنعتها قراراتها.