كشفت وزارة المالية أن الاحتياجات التمويلية لموازنة مصر 2026/2027 تصل إلى 4.01 تريليون جنيه، مقابل 3.57 تريليون جنيه في العام المالي الحالي، بزيادة 12.25%، بما يؤكد أن الحكومة تدخل عاما ماليا جديدا وهي بحاجة إلى اقتراض أوسع لتمويل عجزها وسداد ديونها القائمة.

 

تضع هذه الأرقام المواطن أمام موازنة تتحرك تحت ضغط الدين قبل ضغط الخدمات، لأن الحكومة تعلن فائضا أوليا وتراجعا مستهدفا للعجز، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى 4.01 تريليون جنيه تمويلا، وتواجه خدمة دين تبلغ 5.2 تريليون جنيه، وهو رقم يسبق التعليم والصحة والأجور في أثره المباشر على حياة الناس.

 

4.01 تريليون جنيه احتياجات تمويلية تكشف اتساع فجوة الاقتراض

 

في البداية، تستهدف وزارة المالية إصدار أدوات دين محلية بقيمة 3.415 تريليون جنيه خلال العام المالي 2026/2027، مقابل نحو 3.175 تريليون جنيه في العام المالي الحالي، بزيادة 7.5%، وهو توسع يثبت أن السوق المحلية ستظل المصدر الأكبر لتمويل الحكومة.

 

وبعد ذلك، تضيف الحكومة 594.6 مليار جنيه من خلال إصدارات بعملات أجنبية، وهو مسار يربط الموازنة بسوق خارجية أكثر حساسية للفائدة وسعر الصرف، كما يجعل احتياجات الدولة من العملة الصعبة جزءا مستمرا من إدارة العجز لا نتيجة طارئة فقط.

 

لذلك، لا تعني زيادة الاحتياجات التمويلية بنسبة 12.25% رقما حسابيا فقط، لأن هذا الرقم يترجم إلى مزيد من أذون الخزانة والسندات، ومزيد من مزاحمة القطاع الخاص في السيولة، ومزيد من الفوائد التي تدفعها الموازنة من إيرادات يجمع أغلبها من المواطنين والشركات.

 

وفي هذا السياق، ربط الخبير الاقتصادي هاني جنينة تحسن المسار المالي بقدرة الدولة على الانتقال من مرحلة سداد الفوائد الثقيلة إلى مرحلة الإنفاق الاجتماعي، وتحدث عن سيناريوهات تخص الديون العامة قد تنقل الاقتصاد من أولوية الفوائد إلى أولوية المواطن.

 

ثم يصبح الرقم الأهم في الموازنة هو حجم التمويل لا لغة الحكومة حول الانضباط، لأن الدولة التي تحتاج 4.01 تريليون جنيه لا تستطيع إقناع المواطنين بأن الأزمة تحت السيطرة بمجرد إعلان مستهدفات للعجز، بينما تعتمد خطتها الأساسية على الاقتراض المحلي والخارجي.

 

خدمة الدين تبلغ 5.2 تريليون جنيه وتبتلع أولوية الإنفاق العام

 

في المقابل، تصل خدمة الدين خلال العام المالي المقبل إلى نحو 5.2 تريليون جنيه، وتشمل فوائد وأقساط القروض المحلية والأجنبية، بزيادة 19.2% مقارنة بالعام المالي الجاري، وهذا الرقم يكشف أن الدين لم يعد بندا داخل الموازنة بل أصبح مركزها المالي الأكبر.

 

وبحسب التقديرات، تبلغ قيمة سداد القروض المحلية والأجنبية نحو 2.807 تريليون جنيه في العام المالي المقبل، مقابل 2.08 تريليون جنيه في العام الحالي، بما يعني أن الحكومة ستدفع أقساطا أكبر بكثير في عام واحد، رغم حديثها المتكرر عن خفض مسار الدين.

 

كما تسجل الفوائد نحو 2.419 تريليون جنيه، مقارنة بـ2.298 تريليون جنيه في العام المالي الحالي، بينما تنخفض فوائد الدين الخارجي بنسبة 13.21% إلى 215.7 مليار جنيه، وترتفع الفوائد المحلية بنسبة 7.5% إلى 2.2 تريليون جنيه.

 

وعلى هذا الأساس، تنقل الحكومة عبء الدين إلى الداخل، لأن الفوائد المحلية وحدها تصل إلى 2.2 تريليون جنيه، وهذه الكلفة ترتبط بأسعار فائدة مرتفعة وسياسة تمويل تعتمد على البنوك وحملة أدوات الدين بدلا من توجيه الموارد إلى إنتاج فعلي وخدمات عامة.

 

وفي قراءة حقوقية للموازنة، أوضحت الباحثة الاقتصادية سلمى حسين أن فوائد الديون المحلية والأجنبية استحوذت على نحو 87% من حصيلة الضرائب المتوقعة في موازنة 2025/2026، وهو مؤشر يشرح كيف تذهب أموال الضرائب إلى الدائنين قبل أن تصل إلى المواطن.

 

وبذلك، تبدو خدمة الدين في موازنة 2026/2027 امتدادا لنفس المسار، لأن المواطن يدفع الضرائب والرسوم والأسعار المرتفعة، ثم يرى الدولة تعلن أرقاما ضخمة للفوائد والأقساط، بينما تبقى المدارس والمستشفيات والمواصلات العامة خارج أولوية الإنفاق الحقيقي.

 

فائض أولي على الورق وعجز فعلي في حماية المواطنين

 

من ناحية أخرى، قال وزير المالية أحمد كجوك إن العجز الكلي يتوقع أن يسجل 6.1% من الناتج المحلي خلال العام المالي الحالي، وأن يتراجع إلى 4.9% في العام المالي المقبل، كما أعلن تحقيق فائض أولي بقيمة 749 مليار جنيه خلال أول 9 أشهر.

 

غير أن الفائض الأولي يستبعد فوائد الدين من الحساب، ولذلك تستطيع الحكومة إعلانه حتى وهي تواجه فوائد بقيمة 2.419 تريليون جنيه وخدمة دين بقيمة 5.2 تريليون جنيه، وهذا التعريف يجعل المؤشر مفيدا فنيا لكنه لا يعكس العبء الكامل الذي يتحمله المجتمع.

 

وبالتوازي، قالت وزارة المالية إن الإيرادات العامة نمت بنسبة 35%، وأن الإيرادات الضريبية زادت بنسبة 29% لتصل إلى 1.8 تريليون جنيه خلال أول 9 أشهر، وهو ما يعني أن الحكومة توسع التحصيل من المجتمع بينما تستمر الفوائد والأقساط في ابتلاع أثر هذه الزيادة.

 

إلى جانب ذلك، يعتمد مشروع موازنة 2026/2027 سعرا تقديريا لبرميل النفط عند 75 دولارا، وتقول الحكومة إنها لا تستهدف سعرا محددا للصرف بل تعتمد متوسطات السوق، خصوصا أسعار فبراير، وهي صياغة تترك الموازنة مكشوفة أمام أي صدمة في الطاقة أو الجنيه.

 

وفي ملف الشفافية، حذر النائب والخبير الاقتصادي محمد فؤاد من توسع الدولة في استخدام الضمانات الحكومية كأداة تمويل غير مباشرة، وقال إن هذا المسار يعيد تشكيل صورة الدين العام خارج الموازنة ويخلق التزامات لا تظهر بوضوح في الأرقام الرسمية.

 

لذلك، لا يطمئن المواطن إلى حديث الحكومة عن تراجع العجز إذا كانت الالتزامات المباشرة وغير المباشرة تتسع، لأن الخطر لا يظهر فقط في رقم العجز الكلي، بل يظهر في التمويل المطلوب، وخدمة الدين، والفوائد المحلية، والضمانات، وسعر النفط، وسعر الصرف.

 

في النهاية، تكشف موازنة 2026/2027 أن الحكومة تواصل إدارة الاقتصاد بمنطق تدوير الدين لا تقليصه، فاحتياجات التمويل تبلغ 4.01 تريليون جنيه، وخدمة الدين تبلغ 5.2 تريليون جنيه، والفوائد وحدها تصل إلى 2.419 تريليون جنيه، بينما يبقى المواطن آخر بند في الحساب.