كشفت تصريحات حكومية في القاهرة عن اتجاه الحكومة إلى خفض واردات السولار خلال مايو إلى نحو 420 ألف طن بدل 540 ألف طن في أبريل، وخفض واردات البنزين إلى 190 ألف طن بدل 230 ألف طن، مع تثبيت واردات البوتاجاز عند 170 ألف طن.
يضع هذا القرار المواطنين أمام معادلة قاسية، لأن الحكومة تقلص الاستيراد وتستفيد من تراجع الطلب وأسعار النفط، لكنها لا تقدم التزاما بخفض سعر الوقود، بينما تتحمل الأسر كلفة النقل والكهرباء والسلع المرتبطة بالطاقة.
خفض الواردات يكشف إدارة أزمة لا تعافي إنتاج
وبحسب بيانات نقلتها الشرق بلومبيرج، تستهدف الحكومة تقليص واردات السولار بنحو 25% خلال مايو، كما تستهدف تقليص واردات البنزين بنحو 15%، وجاء القرار مع انخفاض الطلب المحلي وتراجع أسعار النفط عالميا، وليس مع إعلان قفزة مؤكدة في الإنتاج المحلي.
وفي المقابل، تثبت الحكومة واردات غاز المنازل عند نحو 170 ألف طن، وهو تثبيت يكشف أن تقليص السولار والبنزين لا يعني انتهاء فجوة الطاقة، بل يعني توجيه فاتورة الاستيراد وفق أولويات السيولة والطلب والقطاعات الأكثر حساسية.
ثم تظهر الأرقام السنوية حجم الأزمة، إذ تستهلك مصر نحو 12 مليون طن من السولار ونحو 6.7 مليون طن من البنزين سنويا، ولذلك لا يمثل خفض شهر واحد حلا بنيويا، بل يمثل إجراء مؤقتا داخل سوق يعتمد على الاستيراد لتغطية الفجوة.
لذلك لا يستطيع المواطن قراءة القرار باعتباره خبرا مريحا، لأن الحكومة تخفض الكميات المستوردة عبر ترشيد قسري في الاستهلاك وإبطاء بعض الأنشطة، بينما لا تظهر خطة واضحة لزيادة الإنتاج المحلي أو رفع كفاءة التكرير بما يضمن استقرار الأسعار.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي مدحت نافع إن الحكومة لجأت إلى رفع أسعار الوقود سابقا لتعويض خسائر تراكمية في قطاع الطاقة، وأشار إلى أن جزءا من دعم المواد البترولية لا يصل إلى مستحقيه بسبب الهدر الإداري وسوء كفاءة التعاقدات.
الترشيد يدفع الفاتورة إلى الناس والاقتصاد
وبالتزامن مع خفض الواردات، تستند الحكومة إلى تراجع الطلب المحلي نتيجة إجراءات ترشيد الاستهلاك، ومنها إغلاق المحال مبكرا وتقليص استخدام الوقود في الجهات الحكومية وإبطاء مشروعات كثيفة الاستهلاك، وهي إجراءات تخفض الفاتورة لكنها تضغط النشاط التجاري وساعات العمل.
وعلى هذا الأساس، يصبح تراجع الطلب نتيجة قرار إداري لا نتيجة تحسن في كفاءة الاقتصاد، لأن المحال التي تغلق مبكرا تخسر ساعات بيع، والعمال يفقدون جزءا من الدخل، والقطاعات المرتبطة بالنقل والطاقة تتحمل قيودا لا تظهر في بيان الواردات.
كما قال الرئيس عبد الفتاح السيسي إن حجم استهلاك المنتجات البترولية في مصر يقدر بنحو 20 مليار دولار سنويا، بما يعادل نحو تريليون جنيه، وهو رقم تستخدمه السلطة لتبرير الضغط على الاستهلاك بدل مساءلة أولويات الإنفاق والطاقة.
وبسبب هذه الفاتورة الضخمة، تذهب نسبة كبيرة من استهلاك المنتجات البترولية إلى تشغيل محطات الكهرباء، بما يربط ملف الوقود بأزمة الكهرباء والأسعار والعملة الصعبة، ويجعل أي خفض في الاستيراد جزءا من إدارة نقص الموارد لا من سياسة حماية المستهلك.
في المقابل، حذر الخبير الاقتصادي هاني جنينة من أن ملف البترول يمثل أساسا مهما في الضغوط التضخمية، وقال إن أسعار النفط تتحرك بفعل أزمة لوجستية مرتبطة بالحرب لا بسبب أزمة إنتاج عالمية، وهو ما يجعل تمرير التكلفة للمواطنين قرارا سياسيا لا قدرا اقتصاديا.
لماذا لا تنخفض أسعار الوقود رغم تراجع النفط
بعد ذلك يظهر السؤال المركزي في الأزمة، إذ لا ينعكس انخفاض أسعار النفط وخفض الواردات على أسعار الوقود المحلية، لأن الحكومة تربط القرار بتكلفة الدولار والنقل والتأمين والتعاقدات طويلة الأجل، ثم تستخدم أي وفر لتقليل عجز الموازنة لا لتخفيف العبء على المواطنين.
وفي آلية التسعير التلقائي، تراجع اللجنة أسعار المنتجات البترولية كل 3 أشهر وفق سعر خام برنت وسعر صرف الدولار وتكاليف النقل والتوزيع والأعباء الثابتة، لكن هذه الآلية لا تمرر الانخفاضات العالمية فور حدوثها إلى المستهلك المصري.
ومع ذلك، أعلنت وزارة البترول لاحقا تعليق المراجعات الدورية للجنة التسعير التلقائي، وقالت تقارير محلية إن الأسعار الحالية ستظل سارية حتى أكتوبر 2026 على الأقل، وهو قرار يغلق عمليا باب استفادة المواطنين من أي انخفاض عالمي سريع.
ومن جهة العملة، تستخدم الحكومة خفض واردات الوقود كأداة لتقليل الضغط على النقد الأجنبي، لأن كل طن لا تستورده الدولة يخفف طلبا مباشرا على الدولار، لكن هذا الوفر يبقى داخل حسابات الموازنة والبنك المركزي ولا يصل إلى جيب المواطن.
وفي هذا الإطار، قال الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني إن رفع أسعار المنتجات البترولية ينعكس على أسعار كل المجموعات السلعية في السوق ويهبط بالمستوى المعيشي للمواطنين، كما دعا إلى ربط الأجور والمعاشات بالأسعار لمواجهة أثر الوقود على المعيشة.
وبناء على ذلك، تكشف سياسة الحكومة تناقضا واضحا، فهي تطلب من الناس قبول الترشيد والغلق المبكر وتراجع الخدمات بحجة خفض الاستيراد، ثم ترفض ترجمة انخفاض النفط إلى خفض في البنزين والسولار، وتترك الأسعار المحلية أداة لجمع الإيرادات لا لحماية المجتمع.
في النهاية، لا يثبت خفض واردات السولار والبنزين نجاحا اقتصاديا، بل يوثق انتقال الأزمة من خزائن الدولة إلى حياة المواطنين، لأن الحكومة توفر الدولار عبر تقليص الطلب، وتبقي الأسعار مرتفعة عبر التسعير المؤجل، وتترك المستهلك أمام وقود غال وسوق أكثر ضيقا.

