يكشف ملف الاقتصاد غير الرسمي في مصر فشل الحكومة في بناء سوق عادل يدفع الضرائب ويحمي العاملين ويمنع التهرب ويحول النشاط الاقتصادي إلى بيانات قابلة للمحاسبة.

 

تتعامل الحكومة مع الأزمة كملف إيرادات مؤجل بينما يدفع المواطن والعامل وصاحب المشروع الرسمي ثمن اقتصاد يعمل خارج القانون ويستفيد من ضعف الرقابة وارتباك السياسات.

 

اقتصاد غير رسمي يبتلع الإيرادات ويكشف عجز الدولة

 

في البداية يعكس تقدير حجم الاقتصاد غير الرسمي بما بين 30% و40% من الناتج المحلي فجوة كبيرة بين ما تنتجه السوق وما تراه الحكومة في دفاترها الرسمية لأن هذا الحجم يعني أن جزءا واسعا من النشاط لا يخضع لضريبة واضحة ولا لرقابة عادلة.

 

وبسبب هذا الاتساع تفقد الخزانة العامة موارد كان يمكن أن تمول الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية بينما تختار الحكومة الطريق الأسهل عبر زيادة الأعباء على الممولين المسجلين بدلا من إصلاح قواعد الدمج وإزالة أسباب الهروب من التسجيل الرسمي.

 

وفي هذا السياق قال فخري الفقي رئيس لجنة الخطة والموازنة إن الاقتصاد غير الرسمي يمثل نحو 40% من الناتج المحلي بما يعادل 6.9 تريليون جنيه وهو رقم يكشف أن المشكلة لم تعد هامشية بل أصبحت كتلة اقتصادية موازية تتحرك خارج قدرة الدولة.

 

ثم تتضح خطورة الأزمة عندما تؤدي الأنشطة غير المسجلة إلى منافسة غير عادلة لأن المنشأة الرسمية تتحمل الضرائب والتأمينات والرسوم بينما يعمل منافس غير رسمي بتكلفة أقل بسبب غياب الالتزامات القانونية وهذا الوضع يدفع مزيدا من المشروعات الصغيرة إلى البقاء خارج المنظومة.

 

لذلك لا تكفي مطالبة الحكومة بزيادة الحصيلة الضريبية من دون إصلاح بيئة العمل نفسها لأن صاحب النشاط الصغير يهرب من التسجيل عندما يرى إجراءات معقدة وتكاليف مرتفعة ومحاسبة غير مستقرة ولا يرى في المقابل خدمة عامة أو حماية قانونية أو تمويلا عادلا.

 

سياسات ضريبية تطارد الضعفاء وتترك أسباب الهروب

 

بعد ذلك تظهر الأزمة في فلسفة الجباية نفسها لأن الحكومة توسع التحصيل من الأسهل وصولا إليهم بينما تبقى الأنشطة غير الرسمية خارج الخريطة الضريبية وهذا السلوك يخلق شعورا عاما بأن التسجيل الرسمي عقوبة لا بوابة للاستقرار والنمو.

 

ومن هنا تصبح إعادة النظر في السياسة الضريبية شرطا ضروريا لأن الضرائب العادلة لا تعني مطاردة المشروعات الصغيرة بل تعني نظاما مبسطا ومعلنا يربط الضريبة بحجم النشاط ويمنح فترة انتقالية وحوافز واضحة ويفرض المحاسبة على المتهربين الكبار قبل الصغار.

 

وفي هذا الملف قالت عالية المهدي أستاذة الاقتصاد والعميد الأسبق لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية إن تصوير دمج الاقتصاد غير الرسمي باعتباره إضافة إنتاجية مباشرة غير دقيق لأنه يضيف بالأساس موارد ضريبية وهذا الرأي يضع الحكومة أمام سؤال محدد عن هدف الدمج وآلياته.

 

وبناء على ذلك يصبح الدمج الحقيقي مختلفا عن مجرد إدخال ممولين جدد إلى قاعدة الضرائب لأن الدولة يجب أن تقدم تأمينا اجتماعيا وتراخيص مبسطة وتمويلا مناسبا وسجلا رقميا موحدا حتى يشعر صاحب النشاط أن الدخول إلى المنظومة الرسمية يحقق مصلحة واضحة.

 

كما تكشف تجربة الفاتورة الإلكترونية والتحول الرقمي أن الحكومة تملك أدوات للمتابعة لكنها تستخدمها غالبا بصورة ضاغطة على المسجلين بينما يظل القطاع غير الرسمي بعيدا عن الشبكة وهذا الخلل يجعل الرقمنة وسيلة تضييق لا وسيلة عدالة ضريبية شاملة.

 

عمال بلا حماية وبيانات ناقصة وخطة غائبة

 

في المرحلة التالية تظهر الكلفة الاجتماعية للأزمة لأن العمالة غير الرسمية تعمل من دون تأمينات مستقرة ولا عقود واضحة ولا حماية عند المرض أو البطالة وهذا الوضع يجعل ملايين العاملين خارج الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي في كل موجة تضخم أو ركود.

 

وعلى هذا الأساس ربطت الباحثة الاقتصادية سلمى حسين بين السياسات الاقتصادية والحماية الاجتماعية في مصر وركزت على أثر التقشف ورفع الدعم على الفئات الأكثر هشاشة وهذا الربط يوضح أن دمج الاقتصاد غير الرسمي لا ينجح من دون حماية اجتماعية فعلية.

 

ثم تبرز مشكلة البيانات لأن الحكومة لا تستطيع وضع سياسة دقيقة لسوق لا تعرف حجمه الحقيقي ولا توزيع أنشطته ولا عدد العاملين داخله ولا طبيعة دخله وهذا القصور يجعل قرارات الضرائب والدعم والتشغيل أقرب إلى التقدير العام من الإدارة المبنية على معلومات.

 

ولذلك تحتاج الدولة إلى جدول زمني معلن يحدد مراحل الدمج والجهات المسؤولة وأدوات الحصر والحوافز والعقوبات لأن الكلام المتكرر عن الاقتصاد غير الرسمي لم يعد مقنعا بعد سنوات من التصريحات الحكومية التي لم تمنع توسع النشاط خارج الإطار القانوني.

 

كما تحتاج الحكومة إلى كيان مؤسسي محدد الصلاحيات لا لجنة عابرة لأن تعدد الوزارات والهيئات يجعل المسؤولية موزعة بين المالية والاستثمار والتجارة والتنمية المحلية والتأمينات بينما يبقى المواطن وصاحب النشاط أمام أبواب كثيرة ورسوم مختلفة وإجراءات تستنزف الوقت والمال.

 

وفي النهاية تكشف أزمة الاقتصاد غير الرسمي أن الحكومة لا تواجه مشكلة فنية فقط بل تواجه نتيجة مباشرة لسياسات رفعت تكلفة الالتزام وخفضت الثقة في الدولة وأضعفت الحماية الاجتماعية ولذلك لن تنجح أي خطة لا تبدأ بتخفيف العبء وإعلان البيانات ومحاسبة التهرب الكبير.