فتح الدكتور جمال حشمت ملف التغذية المعاصرة من زاوية صحية ورقابية، حيث يرفض تحويل الطعام الطبيعي إلى متهم، ويضع المسؤولية الأساسية عند التلوث الكيماوي والهرموني وضعف الرقابة الحكومية.
تزداد خطورة الجدل الغذائي حين تترك الدولة المواطن بين دعايات متطرفة وأسواق غير منضبطة، لأن غياب الرقابة العلمية يجعل الغذاء اليومي مساحة مفتوحة للخوف والتضليل والمخاطر الصحية.
أنظمة غذائية تخلط بين الاستثناء الطبي والقاعدة العامة
في البداية، يرفض الدكتور جمال حشمت تصنيف أغذية أساسية مثل البيض والألبان والخضروات باعتبارها عناصر ضارة، لأن هذا التصنيف يضرب القيمة الحيوية للبروتينات والكالسيوم والفيتامينات دون سند طبي كاف، بينما يحتاج الجسم إلى تنوع غذائي يضمن بناء العضلات والعظام والمناعة.
وبسبب هذا الخلط، يرى حشمت أن بعض الأنظمة الرائجة تمنح السكريات المصنعة والزيوت المهدرجة مساحة في الطعام، رغم أن هذه المنتجات ترتبط بزيادة السمنة والسكري واضطرابات القلب، وهو تناقض يكشف هشاشة الخطاب الذي يهاجم الأغذية الطبيعية ويتسامح مع الأغذية الصناعية.
وفي الاتجاه نفسه، تؤكد منظمة الصحة العالمية أن النظام الصحي المتوازن يقوم على تنوع الأغذية وتقليل السكريات الحرة والدهون المشبعة والمتحولة والملح، كما توصي بزيادة الخضروات والفواكه والبقوليات والمكسرات والحبوب الكاملة بدلًا من الاعتماد على طعام مصنع وفقير غذائيًا.
ومن هنا، تبدو قراءة حشمت أقرب إلى دفاع عن قاعدة طبية مستقرة، لا إلى تبرير عشوائي لأي طعام، لأن المشكلة لا تكمن في البيض أو اللبن أو الخضروات كأصناف طبيعية، بل في مصدرها وجودتها وطريقة إنتاجها وحجم تناولها داخل نظام متوازن.
وبناء على ذلك، يحذر حشمت من تحويل حالات الحساسية الخاصة إلى قاعدة عامة، خصوصًا في ملف الجلوتين، لأن استبعاده من غذاء كل الناس قد يحرم غير المصابين بحساسية حقيقية من حبوب كاملة وألياف مفيدة ويخلق نقصًا غذائيًا غير مبرر.
وفي هذا السياق، يوضح الطبيب والباحث أليسيو فاسانو، أحد أبرز المتخصصين في اضطرابات الجلوتين، أن الامتناع الصارم عن الجلوتين ضرورة لمرضى الداء البطني وحالات الحساسية المثبتة، لكنه لا يجب أن يتحول إلى قرار جماعي بلا تشخيص طبي واضح.
الخضروات والألياف ليست العدو الحقيقي للمواطن
ثم ينتقل حشمت إلى ملف الخضروات النيئة، حيث يرفض الادعاء بأن الألياف والفيتامينات الموجودة فيها تمثل خطرًا عامًا على الإنسان، لأن هذه العناصر تدعم صحة القولون والجهاز المناعي وتساعد الجسم على تنظيم الهضم وتقليل بعض مخاطر الأمراض المزمنة.
ولذلك، يعتبر حشمت أن تخويف الناس من الخضروات تحت دعاوى وجود سموم طبيعية أو متبقيات سطحية لا يعالج المشكلة، لأن الحل العملي يبدأ من غسل الخضروات جيدًا وتحسين الرقابة على المبيدات، لا من حرمان المواطنين من مصدر غذائي أساسي.
وبشكل متصل، يرى خبير التغذية والتر ويليت من كلية الصحة العامة بجامعة هارفارد أن جودة الغذاء لا تتحسن بحذف مجموعات كاملة من الطعام دون ضرورة، بل تتحسن حين يزيد الإنسان اعتماده على أغذية طبيعية متنوعة ويقلل المنتجات فائقة التصنيع والدهون الصناعية والسكريات.
وبهذا المعنى، تكشف أزمة ما يسمى نظام الطيبات عن مشكلة أكبر من مجرد خلاف غذائي، لأن المواطن يتلقى أوامر حادة بالمنع والسماح دون شرح علمي كاف، بينما تترك مؤسسات الدولة فراغًا رقابيًا وإعلاميًا يسمح بانتشار وصفات غير منضبطة.
وعلى هذا الأساس، يطالب حشمت المواطنين بالاعتدال الغذائي وعدم الانسياق وراء أنظمة تمنع مجموعات غذائية كاملة، لأن الجسم يحتاج إلى البروتين والكالسيوم والألياف والفيتامينات، كما يحتاج إلى مصادر موثوقة تضمن نظافة الغذاء لا إلى موجات خوف متتابعة.
ثم يضيف حشمت أن غسل الخضروات بالماء والخل يقلل المتبقيات السطحية في الممارسات المنزلية الشائعة، لكنه لا يلغي مسؤولية الحكومة عن الرقابة على المزارع والأسواق، لأن المستهلك لا يستطيع وحده كشف الهرمونات والمبيدات والمواد المحظورة داخل سلسلة إنتاج معقدة.
الهرمونات والمبيدات تكشف فشل الرقابة على سلسلة الغذاء
بعد ذلك، يحدد حشمت جوهر الأزمة في تلوث السلسلة الغذائية بالهرمونات والمبيدات الحشرية، لأن الخطر لا يأتي من الطعام الطبيعي في ذاته، بل من تدخلات كيماوية وهرمونية تدخل في الإنتاج الحيواني والزراعي دون رقابة كافية أو إعلان واضح للمواطنين.
وبسبب هذه التدخلات، يحذر حشمت من تأثير متبقيات الكيماويات على الغدد الصماء والخصوبة وصحة الأطفال، كما يربط بين استخدام هرمونات النمو في التسمين السريع وبين ظواهر مقلقة مثل البلوغ المبكر واضطرابات الهرمونات وزيادة المخاوف من بعض الأورام.
وفي هذا الإطار، يوضح طبيب الأطفال والباحث ليوناردو تراساندي من جامعة نيويورك أن المواد المعطلة للغدد الصماء تمثل خطرًا صحيًا حقيقيًا، لأنها تستطيع التأثير في الهرمونات والخصوبة والنمو العصبي والتمثيل الغذائي حتى عند مستويات تعرض منخفضة ومتكررة.
ومن ثم، تبدو مطالبة حشمت بتطهير الغذاء لا بمنعه أكثر التصاقًا بالمشكلة، لأن الزراعة العضوية والرقابة على المبيدات ومتبقيات الأدوية البيطرية يمكن أن تخفض المخاطر، بينما يؤدي الهروب إلى أنظمة منع متشددة إلى تجاهل مصدر التلوث الحقيقي.
وفي المقابل، لا يرفض حشمت التحسين الوراثي العلمي عندما يخضع لضوابط واضحة، لكنه يميز بين تطوير زراعي أو حيواني منضبط وبين تلاعب كيميائي خطير يلوث اللحوم والدواجن، وهذا التمييز مهم حتى لا يتحول الخوف الشعبي إلى رفض عام للعلم نفسه.
ولذلك، تتحمل الحكومة مسؤولية مباشرة عن ضبط المزارع ومنافذ البيع والمجازر وسلاسل التبريد، لأن المواطن لا يملك أدوات فحص بقايا المبيدات أو الهرمونات أو الأدوية البيطرية، ولا يستطيع حماية أسرته بمجرد قراءة منشور غذائي أو اتباع وصفة متداولة.
كما يتطلب هذا الملف إعلان نتائج الرقابة بوضوح، لأن سلامة الغذاء لا تتحقق بالتصريحات العامة، بل تتحقق عندما تعرف الأسر مصدر اللحوم والدواجن والخضروات، وعندما تواجه الجهات المختصة استخدام الهرمونات والمبيدات غير المنضبطة بعقوبات رادعة ومعلنة.
وفي الخلاصة، يقدم الدكتور جمال حشمت قراءة تحذر من خداعين متوازيين، أولهما شيطنة الأغذية الطبيعية بلا دليل، وثانيهما تجاهل التلوث الكيماوي والهرموني في الأسواق، وبينهما يبقى المواطن ضحية خطاب غذائي مرتبك ورقابة حكومية لا تقوم بواجبها كاملًا.
ولهذا، لا يحتاج المصريون إلى فتاوى غذائية متطرفة أو تطمينات رسمية فارغة، بل يحتاجون إلى غذاء طبيعي نظيف ورقابة معلنة ونصائح طبية متخصصة، لأن حماية الصحة تبدأ من سلسلة إنتاج آمنة لا من تحميل المواطن وحده مسؤولية النجاة من سوق غير منضبط.

