جعفر عباس
أديب وكاتب صحافي سوداني
"لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ" ـ سورة النور. وترامب مريض، وأعمى بصيرة، ومساره أعرج، وليس عليه حرج بالمقاييس الدنيوية والقوانين الوضعية، ولكن ليس بقوانين السماء.
في ولايته، أتى عمرُ رضي الله عنه بمجنونةٍ، قد زنت فاستشار فيها أناسًا، فأمر بها عمرُ أن تُرجَمَ، فمرَّ بها على عليِّ بنِ أبي طالبٍ، كرم الله وجهه، فقال: ما شأنُ هذه ؟ قالوا: مجنونةُ بني فلانٍ زنت، وأمر بها عمرُ أن تُرجَمَ. قال: فقال: ارجِعوا بها، ثمَّ أتاه فقال: يا أميرَ المؤمنين، أما علِمتَ أنَّ القلمَ قد رُفِع عن ثلاثةٍ؛ عن المجنونِ حتَّى يبرأَ، وعن النَّائمِ حتَّى يستيقظَ، وعن الصَّبيِّ حتَّى يعقِلَ؟ قال: بلَى، قال: فما بالُ هذه تُرجَمُ؟ قال: لا شيءَ، قال فأرسِلْها، أي أطلِق سراحها، يعني لو مثل ترامب أمام قاض مسلم مثقلا بجرائم إبادة البشر والتحرش بالفتيات القصر والسرقة والفساد، لربما أفلت من عقوبة مستحقة "لأنه ليس على المجنون من حرج".
من آيات ذهاب عقل ترامب، أنه لا يعرف أن السكوت من ذهب، لأنه يعتبر الثرثرة ضربا من اليورانيومَ المخصب، وكما صبي دون سن الحلم، يقضي ترامب جل نهاره وليله على وسائل التواصل الاجتماعي، ويعلن عن قرارات مصيرية، معظمها كارثي، عبر تلك الوسائل في ساعات متأخرة من الليل، وعندما يفتح فمه يقول أمرا في التاسعة مساء، ونقيضه في العاشرة صباح اليوم التالي، لأنه من مدرسة الشاعر العباسي الرقاشي صاحب مقولة "كلام الليل يمحوه النهار".
انظر إلى إعلانه أكثر من عشر مرات الانتصار الكامل على إيران، لدرجة أنه لم يبق فيها مرفق يستوجب القصف، ثم تهديده بمحو الحضارة الفارسية من الوجود "مساء اليوم" ـ وكان ذلك في 8 أبريل الجاري، ووصف بابا الفاتيكان بأنه "ضعيف في محاربة الجريمة وسياسته الخارجية ممعنة في السوء". وعندما أعلن أربع مرات أن إيران أذعنت لأوامره بفتح مضيق هرمز للملاحة، وأكد الإيرانيون المرة تلو الأخرى، أنه مغلق، لجأ ترامب إلى قاموس مجاري الصرف الصحي: افتحوا المضيق ال.. (استخدم كلمة ممعنة في البذاءة)، أيها المعتوهون أبناء السفاح.
وطوال الأسابيع القليلة الماضية عكف نواب المعارضة (الديمقراطيون)، على بحث أمر إقالة ترامب من منصبه استنادا إلى التعديل ال25 للدستور الأمريكي وبقرار من محكمة قضائية، ويجد هذا المسعى دعما قويا من غالبية جنرالات الجيش الأمريكي المتقاعدين، بل إن ترامب أقال 11 جنرالا رفيعي الرتب لأنهم انتقدوا الحرب على إيران وطريقة إدارة ترامب لتلك الحرب، بل إن بعض غلاة اليمين الأمريكي الذين ظلوا يرون في ترامب "المسيح العائد"، صاروا الأجهر صوتا في المطالبة بإزاحته من الحكم بأعجل ما يمكن، فهناك مارجوري تيلر غرين والتي ياما قالت في ترامب، وعلى مدى سنوات، ما لم يقله قيس في ليلى، والتي استقالت من عضوية الكونغرس الذي دخلته ممثلة لولاية جورجيا، وصارت تجاهر في الأسابيع الأخيرة بأن ترامب "مجنون رسميا"، بينما قالت عنه اليمينية المتطرفة كانديس أوينز، والتي لديها بودكاست يتابعه الملايين "إنه مخبول مجبول على إبادة البشر".
ويقول تاي كوب الذي كان كبير المحامين في البيت الأبيض خلال ولاية ترامب الأولى، إن ذهاب عقل ترامب لا يحتاج إلى أدلة جديدة، بينما لجأت سيتفاني غريشام التي كانت السكرتيرة الصحفية لترامب ما بين 2016 و2020، الى لغة أكثر تهذيبا في وصف حالة ترامب العقلية، بقولها "من الواضح انها ليست على ما يرام".
قبل عشر سنوات أصدر فريق يتألف من كبار علماء الطب النفسي في أمريكا كتابا بعنوان "حالة ترامب الخطرة"، وجاء فيه أن ترامب يعاني من نرجسية خبيثة، فالشخص النرجسي لديه شعور مبالغ فيه بأهمية الذات، والحاجة الماسة للإعجاب، ولا يتعاطف مع الآخرين. ويتسم بالغطرسة، الاستغلال، والتلاعب العاطفي، معتقدًا أنه فريد ويستحق معاملة خاصة. ويركز على المظاهر، ويكره الانتقاد، بينما النرجسية الخبيثة هي أشد أنواع الاضطرابات الشخصية سمِّية وخطورة، لأنها تمزج بين النرجسية المفرطة، والسادية، والسلوك المعادي للمجتمع، وجنون الارتياب ويتسم من يعاني منها بالقسوة، والافتقار التام للتعاطف، بهدف تدمير وإيذاء الآخرين. وهذا ربما ما اكتشفه الرأي العام الأمريكي حسبما افاد استطلاع رأي، بأن 63% من الأمريكان باتوا يرون أن ترامب يفتقر الى العقل الذي يعين على التصدي للتحديات.
ولكن يبدو أن ترامب، لا يرى بأسا في أن يوصف بذهاب العقل، وفي هذا تقول نيكي هالي التي كانت مندوبة بلادها في الأمم المتحدة خلال فترة رئاسة ترامب الأولى، إنه قال لها عندما تم تكليفها بالتفاوض مع كوريا الشمالية "اعطيهم الانطباع بأنني مجنون"، بينما يقول وليام بار، النائب العام خلال تلك الفترة إن ترامب قال له إن تغريداته في تويتر بها الكمية الصحيحة من الجنون.
ولعل ما يؤيد زعم فقدان العقل، ولو جزئيا، هو أن ترامب يكذب ويتحرى الكذب في معظم ما يقول، إما لأنه يحسب أنه يخاطب جمهورا من الجهلاء السذج، أو لأنه لا يدرك أنه يكذب، فقد ذكر أكثر من مرة أن والده مولود في ألمانيا، بينما هو حقيقة من مواليد حي في نيويورك، ويسأله صحفي عن سير الحرب في الخليج فيأتي رده بأن الحرب انتهت فعليا، وأنه بات يعطي أولوية لتشييد قاعة رقص في البيت الأبيض، ثم يضيف: انظروا إلى روعة قماش الستائر في هذه القاعة، وفي كلمته أمام ضيوف بمناسبة الكريسماس أمضى 8 دقائق وهو يتحدث عن الأفاعي السامة في جمهورية بيرو.
ثم كانت طامة نشره في منصة تروث سوشيال الخاصة به، صورة له كمسيح يضع كفه على جبين مريض ليشفيه (كما فعل المسيح الأصل)، محفوفا بملائكة على هيئة عسكريين مظليين وطائرات مقاتلة، الأمر الذي اعتبره الملايين من المسيحيين تجديفا، ولما أدرك أنه ـ بالمصري ـ عكّ، سحب الصورة وقال إنه قصد بها أنه "طبيب" يشفي المرضى، وفات عليه أن من يشفي المرضى بلمسة يد عند المسيحيين هو "الروح القدس".

